[color="blue"]آخر الوافدين !
مضت الأمور في السجن بعمومها نحو الهدوء النسبي . فالتعذيب الجماعي خفت حدته ، والضرب الوحشي قلت نسبته . ثم لم نلبث أن وجدنا الإدارة تقوم بفرز جديد للسجناء في شهر نيسان 1991 تم بموجبها تقسيمنا وتوزيعنا على مهاجع جديدة وباحات مختلفة . ووجدتني في هذا السياق أنقل هذه المرة إلى مهجع رقم 7 في الباحة الرابعة . وهناك أمضيت قرابة سنة أخرى خفت فيها المعاناة نوعاً ما ، وبدأنا نلحظ خلالها تحسناً نسبياً في الطعام ، كانت مادته الأساسية زيادة كمية الثوم !
ومن باحة مهجعنا السابع تلك كان على لجنة الإعدامات التي لم تتوقف أعمالها أبداً أن تمر من أمامنا مضياً في طريقها إلى الباحة السادسة لتنفذ الأحكام . وكنا نسمع أصواتهم ونتمكن أحياناً من التلصص عليهم من شقوق الباب . وفي نفس الوقت كنا نحس وصول الدفعات الجديدة من المعتقلين التي لم تتوقف أيضاً ونسمع أصوات استغاثاتهم وصياحهم من ساحة الذاتية المجاورة والباحة الأولى القريبة منا . وفي شهر تشرين الثاني عام 1991 كانت آخر دفعة جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الإستقبال الرعيبة ذاتها .. وتبلغنا أصوات استغاثاتهم وصيحات الألم تزلزل المكان ولا تحرك في قلوب الزبانية شعرة ! وحتى لا تنتقل الأخبار ويطلع السجناء القدامى على مستجدات الأحداث في الخارج كان يتم عزل السجناء الجدد في مهاجع مستقلة فلا نلتقيهم ولا يلتقونا ، ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى هذا المكان الرعيب .
نعم للقائد !!
وذات يوم من نهايات تشرين الثاني أو بدايات كانون الأول عام 1991 . وبينما نحن في المهجع نجرع الأسى ونغص بالحسرات أقبل علينا مساعد السجن محمد نعمة وأبلغنا أن انتخابات لرئيس الدولة أوشكت أن تجري خلال أيام .. وأن علينا أن نظهر محبتنا وتقديرنا للقائد الأسد فنقول له "نعم" بالفم الملآن والصوت العالي .
ولم يكن من خيار أمام أحد في كل سورية إلا أن يقول تلك ال"نعم" . تماماً كتلك التي قلناها لسليمان الخطيب حين أبلغنا بأحكام الإعدام أمام محكمته الهزلية . أو كتلك التي قالها الطبيب المسكين بعد حفل العذاب ليطلق زوجته . أو كالنعم التي كنا نقولها للشرطي إذا قال لنا أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنا وأخواتنا . أو كآلاف وآلاف مثلها يقولها كل مواطن مقهور لا يملك لرد ظلم زبانية النظام وسفاهاتهم عونآً ولا سنداً .
وكتب رئيس المهجع قائمة بأسمائنا كلنا . ووقعنا وقلنا "نعم" . وكان الأنكى أن قام بعض من هدته المحنة وأنهكته المعاناة فاقترح أن نكتب العبارة "نعم للقائد" على واحد من قمصاننا البيضاء لا بالحبر أو بالدهان وإنما بدمنا ! وهرع البعض فاستجابوا وأحضروا من مسؤول المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفي من الدم ليكتبوا به على القميص !
بشارات !
وفي ليلة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1991 وجدتني أستغرق في النوم فأرى في المنام الشرطة العسكرية يدخلون علينا في المهجع بملابسهم الكاكية وطاقياتهم الحمراء وسحناتهم البغيضة ويخبروننا بقرار انتقالنا من هذا المكان . ورأيتني أمضي إلى زاوية من زوايا المهجع اعتدنا أن نكدس فيها حقائبنا البالية فأحمل من بين الأكداس حقيبتي وتأتي مجموعة من الشباب فيفعلون ما فعلت . ورأيت علي دوبا رئيس فرع المخابرات العسكرية يمضي معنا أو نمضي معه فننطلق إلى باص كان بانتظارنا ونركب فيه جميعنا ونمضي . وبعد أن غادر الباص سجن تدمر وقطعناه بمسافة بعيدة انتهى المنام . فلما استيقظت وقصصت الرؤيا على الشباب حولي تفاءلوا وقالوا لي إن شاء الله يفرجها الله عليك .
ولم يمض يومان فقط حتى وجدت الشرطة ينادون اسمي بعد صلاة العصر وكان يوم أربعاء . فلما خرجت إليهم سألوني عن اسمي الكامل واسم أبي وأمي فأجبتهم . فلم يزيدوا أن قالوا لي من غير أي تعليق :
ضب أغراضك وجهز حالك لبرة .
وكنا جميعاً متعودين أن يأتينا مثل هذا الإيعاز في أي لحظة . سواء للإنتقال من مهجع إلى آخر أو للخروج إلى الإعدام ! ووجدت الإخوة يلتفون حولي ويودعونني ولا يدري أحد منا إلى أين المصير . وخرجت وقد وضعت الطماشة على عيني وعقدت يدي خلف ظهري كالعادة ومضيت أتبعهم . فأدركت أنهم يقودونني باتجاه الساحة السادسة التي تنفذ فيها أحكام الإعدام . فجعلت أتقلب بين هواجس اقتراب النهاية وأحاسيس غامضة تبشرني من أعماقي بدنو الفرج . وجعلت أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب اقتيادي إلى الباحة السادسة إذا كان هناك إفراج . ولماذا لم يأخذونني إلى الذاتية في الباحة الأولى لأخرج من حيث دخلت قبل عشرة أعوام أو أكثر !
ولم تطل بي التساؤلات التي قطعها توقف الركب وصوت باب يفتح ونداء واحد من الشرطة يقول لي :
أدخل ولا .
وأغلق الباب ورائي .. وأحسست أن الشرطة تركوني وذهبوا .. وأن ثمة من يشاركني هذا المكان الجديد ويهمهم حولي . وبحذر شديد أرسلت يدي من وراء ظهري إلى وسطي . فلما تأكدت أن أحداً لم ينتهرني أو يصرخ في رفعتهما إلى وجهي وفككت الطماشة عن عيني . فوجدتني محاطاً بعدد من السجناء يتطلعون في وأتطلع فيهم .
خير يا شباب شو في ؟
سألتهم متوجساً ومستغرباً .. فقالوا ببشاشة وبشر :
ان شاء الله خير . هناك إخلاء سبيل .
ماذا ؟
قلتها وأنا لا أكاد أصدق أو أستوعب ما قالوا . فكرروا علي وأكدوا لي . ولم يلبث أن أطل علينا من فوق الشراقة أحد الشرطة وقال لنا من غير أن نعرف السبب الشيء نفسه . ولم تمض نصف ساعة أخرى حتى فتح الباب من جديد فهرعنا من فورنا حسب العادة واتجهنا برؤوسنا إلى الجدار . وتقدم واحد ممن سبقوني فقدم الصف . وأحسسنا بدخول أشخاص عديدين وراءنا ، فتوجست خيفة وأنا أتوقع كل شر ولا أستغربه . وأتانا الإيعاز مرة واحدة :
وراء در .
فاستدرنا وعيوننا لا تزال مغمضة حسب التعليمات . لكن الإيعاز أتانا مرة أخرى يقول :
ارفع راسك ولا وفتح عينيك .
مفاجآت !
فتحت عيني يكاد يشلهما الخوف فراعني أن أنظر فأرى لأول مرة طوال تلك السنوات سحنة جلادينا بوجوه آدمية من لحم ودم . ولم يكن مألوفاً لي ولا لأحد ممن معي أبداً أن نبصر شخصاً في هذا المكان معافى في بدنه متأنقاً في ملبسه ، نبت الشعر في رأسه وشاربيه بشكل طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلاقة أو تشوهه الصفعات واللطمات !
وأمعنا النظر ونحن كالطفل الذي يطلع على العالم من حوله لأول مرة فرأينا مساعد السجن محمد نعمة ورئيس السجن نفسه غازي الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعن أيمانهما وشمائلهما الزبانية يترصدوننا بنظراتهم الماكرة . وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد الجهني أن سيادة رئيس الدولة أصدر عفواً عنكم .. وإن هي إلا أيام وتكونوا بين أهليكم . وأمرنا من ثم أن نخلع ملابسنا جميعاً ونبقى بالشورت فقط . والتفت إلى كومة من الملابس والأحذية العسكرية الجديدة فأمر الشرطة أن يوزعوها علينا ثم مضى ومعه المساعد والشرطة وأغلقوا علينا الباب .
عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعاً وأصابتنا بالربكة إلى حين . حتى إذا هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضنا البعض نتساءل ونتداول ونحاول أن نجد تفسيراً لما يجري فلم نفلح . وأخذت أتملى في رفاق هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلاثين شخصاً عركتهم المحنة وناءت بكلكلها عليهم مثلما فعلت بي ، فلم تترك فيهم إلا سحناً مصفرة وعيوناً ذابلة وأجساداً واهنة ..
وانقضى يوم الأربعاء ونحن في هذا المهجع الذي يسمى مهجع 6 على 2 الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على بعضنا البعض . وجاء الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع الوقت بتبادل أخبار المهاجع وروايات العذاب والأسى . وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقترب من الشك ونكاد ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديد . حتى إذا كان صباح السبت وجدناهم ينادوننا للخروج من المهجع والإنتظام في صف في الخارج أمامه . فخرجنا كذلك مغمضي العيون منكسي الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر . لكن الإيعاز جاءنا كذلك بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشكل طبيعي . فلما فعلت وفتحت عيني هالني أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتني أرضه وأكلت عصي زبانيته وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر من عشر سنوات فكأنني أراه الآن لأول مرة !
كان كل جدار أقابله كطود جاثم على صدري عشر سنوات من غير أن أراه . وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة في حلقي أبصرها الآن لأول مرة . وهذه الوجوه الكالحة وتلك القسمات الطاغية وهذه المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مرة لطمتني أو عركتني أو حملتني وأنا رهين المحبسين ترهقني ذلة الأسر ورهبة الظلام وقد أطبقت أجفاني على نوافذ الضياء بالإكراه فلا أرى خارج المهجع إلا الظلام وحسب !
بوابة المغادرين !
وسار ركبنا نحن الذين صدر العفو عنا كخط النمل يتجه نحو الباحة الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الآن إلى الذاتية لنتسلم أماناتنا ونسجل أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه . لكني وجدت الركب ينعرج بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سيارات الجيش أن تدخل الطعام والمشانق منه وتخرج عائدة بالقدور الفارغة وجثث الموتى والمعدومين بنفس الوتيرة ونفس البرود ! وعلى مقربة من الباب وجدنا باص تويوتا أحمر اللون بانتظارنا فصعدنا إليه لا ننبس ببنت شفة . ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على مقاعده واجمين ثلاثة عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الإكتراث بأمرنا . وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربما لم يدروا أين أمضينا آخر عشر سنوات من أعمارنا أو حتى أنهم كانوا عندما دخلنا زنزانات الفرع الذي أتوا منه قبل اثنتي عشرة سنة خلت مجرد طلاب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية على أبعد تقدير !
دمعة شكر
ومضى الباص بنا يزمجر على هذا الخط الضيق يسرع ساعة ويبطؤ أخرى . ونحن فيه كأننا الأطفال في أرحام أمهاتهم نشاهد العالم في الخارج من غير أن ندرك علاقتنا به أو مصيرنا فيه . والمشاهد من حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل . والوجوه والبيوت والبهائم والسيارات والغيوم والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قاموس لغة نسيناها منذ أكثر من عقد خلى !
وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلت أتذكر المنام الذي شاهدته قبل بضعة أيام وحسب . وجعلت أقارن الباص الذي ركبته في المنام وهذا الباص الذي يقلنا الآن . والجمع الذين هرعوا في الرؤيا لمرافقتي وجمع الإخوة الذين معي . ورئيس المخابرات العسكرية هناك وجنده هنا . ووجدتني من غير إرادة مني أتبسم وقد نسيت كيف تفتر الشفاه عن ابتسامة سعد . وأتجه بجوارحي كلها إلى الله العلي الرحيم أود أن أسجد له كل عمري شاكراً . فلم تجبني من كل هاتيك الجوارح المأخوذة بتسارع الأحداث وقتها إلا دمعة حرى طفرت من عيني على وجل .
وأسرع السائق بالحافلة .. وأسرعت بنا الخواطر والخيالات والتساؤلات والأماني والمخاوف كلها تتراكض فينا معاً . وعبرنا تدمر المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد . وتخطينا حمص مرقد خالد بن الوليد تغشاها كآبة ووحشة .. وأشرفنا على دمشق عاصمة الأمويين والمجد والفتوحات بالأمس .. ومهد المظالم والقهر ووكر الطائفية اليوم . وأكمل الباص بنا إلى فرع المخابرات العسكرية من جديد . وتسلمنا الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغير من عدوانيتهم شيء . وبعد أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونا على واحد من المهاجع تحت الأرض لنقضي ليلتنا هناك .
صفحة جديدة !
صفحة جديدة !
وفي اليوم التالي الثامن والعشرين من كانون الأول جمعونا كلنا في قاعة محاضرات واسعة ووزعونا على كراسيها الوثيرة . واعتلى مجموعة من الضباط المدنيين المنصة . وتقدم أحدهم منا فألقى فينا كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد الذي يعرف الناس كل الناس أن الكرم من سماته .. وأنه ينظر إلى الشعب بعين الرأفة والعطف على الدوام .. ولذلك أصدر أمراً بالإفراج عنا بمناسبة إعادة انتخابه ! وقال لنا المتحدث أن بعضنا ربما لم يكن يستحق كل هذا الإعتقال الطويل .. وأن بعضنا الآخر نال الآن جزاءه . ودعانا أن ننسى كلنا الماضي ونبدأ صفحة جديدة من اليوم . فيذهب الطالب إلى مدرسته . والعامل إلى مصنعه . والموظف إلى وظيفته . ويعود الكل إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي . وختم المتحدث كلمته منوهاً أن الفرع سيوصل كلاً منا إلى محافظته ومدينته .
وانفض الإجتماع .. وجعل رجال المخابرات يقتادون كل مجموعة من المعتقلين إلى زاوية حسب محافظاتهم . ولما كنت الأردني الوحيد فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا إلى الحدود السورية الأردنية مباشرة . وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف الليل سلموني للشرطة المدنية هناك . وتقدم هؤلاء فسلموني بدورهم إلى المخابرات الأردنية على الطرف الآخر من الحدود ، ولم يزيدوا عن أن قالوا لهم أنني كنت موقوفاً لديهم . فلما استلمني الأردنيون وسألوني عن جوازي أو وثيقة تثبت شخصيتي لم أجد شيئاً أقدمه لهم . فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم توقيفي . سألته : ما اليوم ؟ قال : 29 كانون الأول 1991 . قلت أرد على سؤاله : منذ أكثر من إحدى عشرة سنة إذاً . منذ الثامن من تشرين الأول عام 1980 . فكاد الرجل يصعق من المفاجأة . وعندما وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد ساعات لاستلامي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولدهم الذي غادرهم ابن تسع عشرة سنة عاد إليهم اليوم ابن إحدى وثلاثين . ناحل الوجه ، حليق الرأس ، منهك القوى ، يرتدي ملابس العسكريين الكاكي وحذاء الجيش . ووجدتني أمام أهلي الذين غادرتهم أصحاء أشداء أنهكتهم بدورهم السنون وهدتهم اللوعة .
وهرعت إلى يدي والدي رحمه الله أقبلهما وإلى أمي أحضنها وأطلب منهما السماح . وجعلت والدتي تنظر في وجهي تتفرس فيه وتقول لي : أنت محمد ؟ أكيد أنت محمد ! وتناولت يدي تقلبها وتُبَحِر فيها ولا تكاد تصدق ! وتناولت أنا يديها ألثمهما وأطلب منها مجدداً الرضا والسماح . وتدفقت عبراتنا جميعاً وخنقنا النشيج . واحدودب بعضنا على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين .
وأقفلت بنا السيارة تعود بي إلى بيت أهلي الغوالي بعد غيبة عقد ونيف من الزمان .. وكرت الأسئلة وتدفقت الحكايات .. وانفجرت الأحزان والآلام والحسرات حبيسة دهر من الزمان . دهر كل لحظة فيه كانت أثقل من الدهر كله .. وكل زفرة أو شهقة من أيامه لها حكاية تحكى .. ولوعة تفري الكبد .. وذكريات وشجى . لا توفي وصفها قواميس الأرض .. ولا تسبر أغوارها من الكلمات شيء .. ولا يمسح حرها إلا الرحمن الرحيم .
وبعد ..
فها هي ذي صفحات من ذكريات المحنة التي قدر لي أن أعيشها في سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر دورة المطبعة تأخذ مجراها . وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هذه الذكريات على شكل كتاب .. وأشكره من قبل ومن بعد أن نجاني وفرّج عني ومنّ بالحرية علي .. أود أن أسجل بعض نقاط أراها جديرة أن أختتم بها كتابي هذا ، سائلاً الله تعالى النفع والقبول .
1 - مرت عدة سنوات على خروجي من سجن تدمر مررت فيها بظروف عديدة متغيرة ، مما جعلني أنسى الكثير مما شاهدت ورأيت وسمعت في تلك المحنة الرهيبة . ولقد حاولت فيما كتبت أن أتحرى الدقة قدر المستطاع ، وأن أوثق المعلومات التي سجلتها ما وسعني الجهد . لكني أعلم أن الكمال لله وحده ، وأن كل بني آدم خطاء . وللزمن حكمه كما يقولون . ولذلك أرجو أن يسامحني القارىء الكريم إن وجد أي نقص أو عجز أو خطأ فيما قرأ ، وليصحح لي كل من ملك معلومة مكملة أو إضافة مفصلة .
2 - وفي هذا السياق ومن هذا المنطلق ، أدعو كل أخ مسه من فيح تلك المحنة جانب أو ناله من لظاها أذى ، وأدعو كل مواطن شهد على ممارسات النظام السوري القمعية مشهداً أو عرف خبراً أن يبادر ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته . ولو لم يكن لدى المرء فرصة للنشر اليوم أو كانت ظروفه لا تسمح الآن فغداً ستختلف الموازين وتتغير الأحوال إن شاء الله . لكن الأمانة تظل في أعناقنا والشهادة حق لا يقبل أن نكتمه . والذاكرة لن تدوم فيها المعلومات والذكريات كما هي اليوم . والعمر بيد الله لا ندري متى ينقضي . وإذا كان جيلنا قد عاصر جانباً من الأحداث واطلع على بعض أوجه النظام الديكتاتوري الطائفي في سورية ، فإن أجيالاً تالية وشعوباً أخرى تحتاج أن تعرف الحقيقة وتدرس ما حدث . ولا بد لكل من أراد أن يخطو على طريق الدعوة إلى الله أن يرصد تجارب سابقيه وخبرة المتقدمين عليه . أما أن تتكرر التجارب متماثلة متشابهة لا تستزيد واحدتها من أخراها ولا يتعلم لاحقها من سابقها فتلك علة معلة وجمود مهلك . وسبب كاف لتكرار النوازل والمآسي والنكبات .
3 - وحتى لا تتكرر النكبات وحتى تكتمل الفائدة من تسطير هذا الكتاب أراني واجباً علي أن أسجل خلاصة ما وصلنا إليه من قناعات ورؤى بعد سنوات محنتنا تلك . وإنني إذ أتحدث بضمير الجماعة هنا فإنما أقصد الغالبية من إخوة المحنة الذين جمعتني وإياهم على مدار سنوات متتالية القيود المطبقة والأبواب المغلقة .. وجلسات المصارحة والنقد الموضوعي والتقييم البناء . فوصلنا من بعد جدال وأخذ ورد إلى أن الإسلام الذي اعتنقناه واعتقدناه وحملناه في قلوبنا وامتحنا في سبيله وابتلينا .. هذا الإسلام لا زال من بعد كل هذه المحنة والعذاب والمشانق والمجازر هو الحق لم يتغير ، وهو الهدف لم يتبدل ، وهو الطريق لم نحد بإذن الله عنه . ولا زلنا حقيقة على قناعة خالصة بوجوب العمل لدين الله ونشر دعوته ، وحتمية تبليغ رسالته الخالدة لأنها الأمل الوحيد لنجاة البشرية جمعاء .
4 - أما الذي توقفنا عنده وانكببنا على النظر إليه فهو الكيفية والوسيلة التي يمكن أن نحقق بها ما اعتقدناه . فمن خلال محنتنا وكربتنا .. وبعد الثمن الباهظ الذي دفعناه دماً وأرواحاً وزهرات من شباب الدعوة ورصيد من النجاح انهار وانقضى .. تبين لنا وتأكد وتحقق أن أول ما نحتاجه قبل أن نخطو أي خطوة تالية هو الصف المنظم الموحد . فوالله لم يؤت إخواننا المجاهدون في سورية - ولا في غيرها - من قلة مال أو سلاح أو عتاد ، ولم يهزمهم استبداد عدوهم أو قوة تسليحه أو شدة بطشه . ولكن التجربة أثبتت وأكدت أن الشر أتي من التنازع والإختلاف ، والبنيان تهدم من الفرقة قبل كل شيء .
إنني لم أتألم في كل سجني ومحنتي ولم أغص وأتحسر قدر ما غصصت بحديث الخلاف وتحسرت لواقع الفرقة بين أجنحة الحركة الإسلامية الواحدة والتنظيم الإخواني نفسه ، والذي رأينا عناصره يتكتلون بين دمشقي وحلبي وحموي .. وتابع لجناح هذا ومؤيد لجناح ذاك .. في الوقت الذي كان الزبانية يسحبون مجموعة من بيننا إلى حتفهم إثر مجموعة ودفعة وراء دفعة ! ثم ارتد الحال إلى خلافات القرون الوسطى فوجدنا هذه النخبة من أبناء الحركة الإسلامية يتفرقون بين صوفي وسلفي .. ومتبع ومبتدع . إلى درجة أننا بتنا نختلف على صوت الأذان الذي كان يصلنا من وراء القضبان والجدران ونتجادل فيه !
5 - أما القضية التالية التي وجدنا البدء من غيرها معناه التهلكة ، والمسير من غير أن تترسخ فينا نذير الضياع فهي التربية . ولقد كان أمراً عجباً أن تنفق كل الحركات الإسلامية جل جهدها وأكثر وقتها في الحديث عن التربية وتطبيقاتها ، ثم إذا فاجأتنا المحنة وجدنا أنفسنا أبعد ما نكون عن التربية الحقيقية وأكثر من يفتقدها !
وعندما أذكر التربية هنا فأنما أعني كل ما يندرج تحت هذا المسمى من أبواب : التربية الروحية .. والسلوكية .. والبدنية .. والعسكرية .. والتنظيمية .. والأمنية . وحتمية أن تجتمع كل هذه الأبواب في بناء شخصية الداعية . وإلا فما معنى أن يحضر شخص واحد باعترافاته مائة أخ من تنظيم سري ناشىء ؟ وكيف يفسر أن يضطلع فرد في هذا التنظيم بمسؤوليات تمكنه من معرفة كل الصف القيادي في التنظيم وعناصره الفاعلة وأسراره الخطيرة ومخابىء سلاحه ومواقع قواعده ورموز اتصالاته وكل صغيرة وكبيرة فيه !!
6 - ان قناعتنا بعد كل هذه المحنة في وجوب مقاومة الظلم لم تتغير بفضل الله ولن تتغير . والعمل للإسلام لما يزل كيوم دخلنا المحنة واجباً حتمياً وأمانة ملزمة ، لكنا إذا أردنا أن نحمل هذه الأمانة فلنحملها بوعي كامل وكفاءة كافية .. أو نتنحى لمن هو أقدر وأكفأ .
إنني ومن بعد التجربة أؤمن اليوم أننا إذا تخلينا فسيهيؤ الله تعالى من هو أقدر وأكفأ وأجدر على حمل الأمانة . أما إذا صممنا على تقدم الصفوف من غير إعداد كاف وكفاءة وحنكة فقد جنينا على أنفسنا وتجنينا على دين الله ودعوته . وهيهات هيهات أن ينصر قوم هذا حالهم وذاك الطريق الذي اختاروه .
هذه بعض ملاحظات أردت أن أختتم بها ذكريات المحنة وشهادة التجربة . سائلاً الله تعالى الرحمة والمغفرة وحسن الخواتيم . والحمد لله رب العالمين .
محمد سليم حماد
آب/1996
[/color]
|