تصفيات جماعية
وما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها أحد أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق . فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة ،وراح الزبانية يخرجون من الإخوة المعتقلين فوجاً إثر فوج إلى حتفهم . يومها قدّر الإخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق . ومع تسرب الأخبار فيما بعد قدرنا أن تلك الإعدامات ترافقت مع حالة النزاع التي حصلت بين رأسي النظام حافظ الأسد وأخيه رفعت ، والتي شهدت حشودات عسكرية حقيقية بينهما . وفسرنا ما حدث بأن رفعت كان يهيؤ نفسه لاستلام الحكم بعد المرض الذي ألم بأخيه ، ولذلك أراد أن يصفي أكبر قدر ممكن من السجناء وينهي كل خطر مستقبلي محتمل .
المدير الجديد !
ولكن الأخ الأكبر تعافى بقدرة قادر ، وعاد يمارس سطوته على البلاد والعباد ، وهاله أن يجد النخر دبَّ في أركان النظام وبين رؤوسه المقربين ، فبدأ - مثلما تسرّب بعد ذاك - حملة تطهير وإعادة توزيع للأدوار . وفي هذا السياق طالت التغييرات إدارة سجن تدمر ، ووجدنا الشرطة العسكريين يطلبون رؤساء المهاجع لاجتماع مشترك في شهر تشرين الأول من عام 1984 . وذهب رئيس مهجعنا فيمن ذهب ، فلما عاد بعد قليل ونحن متلهفون لسماع الأخبار أخبرنا أن مدير السجن قد تغير ، ورحل معه مساعد الإنضباط وسمسار الضحايا محمد الخازم . وأن المدير الجديد هو مساعده ونائبه النقيب زكريا العش . وأنه اجتمع بهم وهم مغمضو العيون وحذرهم من أن التراخي الذي ساد في الفترة الماضية قد انتهى .. وعاد النظام الآن وعاد الإنضباط . ورجع نظام إقفال العيون أمام الشرطة .. والويل كل الويل للمخالفين !
ولم تمض برهة من الوقت ونحن لم نكد ننتهي من أسئلتنا وتساؤلاتنا بعد حتى حضر الشرطة لأخذ التفقد . فصاحوا فينا فور دخولهم أن نغمض أعيننا ونقف بوضع الإستعداد . وما لبثوا أن ساقونا إلى خارج المهجع وانقضوا علينا ضرباً وصفعاً وجلداً حتى سلخوا جلودنا . وبدأنا من يومها مرحلة جديدة من الشدة والعذاب . وعاد التفقد الصارم والتنفس المقيت والقتل والتعذيب والإهانات . وكان الإعفاء الوحيد للمسلولين من الحمام رحمة تقينا عذاب تلك الساعة ، لكنهم سرعان ما عوضوها بمضاعفة العذاب علينا في التنفس !
وتوقف بث الإذاعة عنا من حينها . وصدر الأمر من ذلك الوقت بتكميم أفواه الخارجين للإعدام فلم يعد يسمع لواحدهم قبل أن يطوق عنقه حبل المشنقة صوت ولا تكبير . وعاد البطش أشد علينا من السابق . ثم لم يلبث أن اشتد أكثر وتضاعف بحضور المدير الجديد اللواء غازي الجهني لاستلام منصبه بعد قرابة شهرين . فارتفعت وتيرة البطش إلى أقصى درجاتها . وعاد الشرطة إلى ممارسة التعذيب الوحشي من جديد . حتى أنهم أخرجونا في أحد الأيام للتنفس مغمضي العينين كالعادة تلاحقنا السياط والعصي والكرابيج . فكان قدر أخ من حلب اسمه عبد الباسط دشق أن تصيبه ضربة من هؤلاء الزبانية على عينه مباشرة فتفقأها . فعاد المسكين عندما عدنا تغطي الدماء وجهه ، وهو لا يكف عن التقيؤ من شدة ألمه . وعندما دق مسؤول مهجعنا الصحي وقتها الأخ علي عباس من ادلب ليخبر الشرطة بحال الأخ ، لم يجرؤ أن يقول لهم أن أحداً منهم أنفسهم فقأ عينه ، بل اعتذر وسألهم العفو وهو يقول لهم بأن أحداً من مهجعه سقط في الحمام ففقئت عينه !
لكن أحداً لم يبال ، ولم تسفر المحاولات المتكررة عن شيء . وحينما تكرم طبيب السجن وحضر لمعرفة سبب شكواه بعد يومين أو ثلاثة لم يزد عن أن أعطاه بضع حبوب مسكنة ومضى . وظل المسكين يعاني عذاباً لا يوصف شهوراً عديدة من غير أن يهتم به من هؤلاء الزبانية أحد .
تأديب !
وعلى الرغم من هذا البطش أو ربما بسببه قام واحد من المعتقلين اليافعين من ادلب من بيت سيد عيسى نزيل مهجع الأحداث 36 بالتصدي ذات يوم لواحد من الشرطة آذاه كما يبدو في الباحة أثناء التنفس فهجم عليه الشاب وضربه . ورغم أن الحادثة كانت عفوية لا تعدو أن تكون ردة فعل انفعالية وحسب ، وعلى الرغم من أن الشرطي رد عليه وقتها وأشبعه ضرباً ، إلا أن الأمر أخذ بعداً كبيراً . فأدخلوا السجناء إلى المهاجع كلهم ، وحضر مساعد السجن الجديد محمد نعمة بنفسه يحقق في الأمر . وأخرجوا الأخ المسكين فأجلسوه في الدولاب وانهالوا عليه ضرباً وجلداً حتى كادوا يزهقون روحه . وبعدما انتهوا أخرجونا نحن سجناء الباحة السابعة كلنا وضربونا ضرباً مبرحاً حتى يؤدبوننا ويقتلون فينا أي مشاعر محتملة بالتمرد . ولذلك لم يكن الإخوة يردون على أذى الشرطة واعتداءات جلادينا لسببين : فهم يعلمون أولاً أن النتيجة محدودة إن لم تكن منعدمة ، فيما سيكون الخطر متحققاً وغير محدود ، وربما أفضى بالشخص إلى الهلاك . ولخشيتهم ثانياً أن تتسبب أعمال كهذه في إيقاع الأذى ببقية السجناء من غير سبب ولا حاجة . وكان الشعور السائد أننا وقعنا بأيدي الظلمة بقدر الله ، وأننا إذا احتسبنا وصبرنا فهو خير لنا من أن نتسبب لنا ولمن حولنا بمزيد من المفسدة والأذى .
آية الله في أبي عوض !
غير أن الرأي لدى بعض الإخوة كان مختلفاً بعض الشيء كما يبدو . والصبر على هذه الأهوال وقد فاض الكيل انتهى بهم إلى قرار الإنتقام من أجير الإدارة وكلبها الخسيس أبي عوض . الذي بلغ تطاوله مدى لا يسكت عنه .. وتجاوزت وقاحته حدود العفة والأخلاق . فاتفق عدد من شباب المهجع 26 على تأديبه ونفذوا ما اتفقوا عليه . فاجتمعوا وانهالوا عليه ضرباً لم يكن له أن يرده . فلما قلب أبو عوض الأمور وفكر وقدر .. وجد نفسه قد انكشف وتحطمت هيبته الواهية . ورآها كأنما فرصة ترفع منزلته لدى المدير الجديد . فطلب مقابلة الرقيب فجأة وأخبره بأن لديه أخباراً مهمة يريد أن يوصلها للإدارة . ولما سأله عن نوع هذه الأخبار قال له أبو عوض إنه اكتشف وجود تنظيم للإخوان داخل المهجع . فكانت هذه العبارة أكثر من كافية لتستنفر الرقيب والمدير وكل الزبانية على هذه الحفنة من السجناء المساكين .
واقتحم الشرطة المهجع على الفور ينتظرون الإشارة ليفتكوا بالمساجين . فلما رأى الإخوة الأمر بهذه الخطورة قرروا أن يقفوا صفاً واحداً في وجه افتراءات أبي عوض وتسلطه . وجعلوا يخبرون الرقيب بكل مخالفاته وسرقاته والرشاوى التي أخذها والإنحرافات التي أحدثها . وأكدوا له أن اتهامات أبي عوض محض اختلاق . وأنهم أمامه جميعاً مستعدون لتحمل أشد أنواع العقوبات إذا ثبت من تلك الإتهامات شيء .
وسبحان من جعل الشرطة يصدقون السجناء هذه المرة . لا ندري أهي غيرة من أبي عوض الذي بات يتمتع بمزايا ويجمع من الأرباح والأموال ما لم يتح حتى للشرطة العسكرية أنفسهم .. أم أن الأمر أتى انسجاماً مع عهد المدير الجديد الذي أراد أن يساوي المساجين كلهم في العذاب والمعاناة ويفرض هيبته على رموز العهد البائد ! كل الذي دريناه وعلمناه أن الرقيب أمر أبا عوض وقد بُهِت أمام جرأة الإخوة أن يجمع أغراضه ويخرج . ومن رئاسة مهجع 26 اقتيد أبو عوض إلى الحلاق هذه المرة فجز شعره وشاربيه ، ثم ألقي به في مهجع 31 مجرداً من كل صلاحياته السابقة .
ودارت الدائرة على أبي عوض . وجعل الشرطة منه هدفاً معلّماً يخرجونه إلى الباحة كل يوم لينال عذاباً مستقلاً . وصرنا نسمع صياحه وتوسلاته تصم الآذان .. وصراخه يملؤ السجن كله . حتى سلخوا جلده من القتل وحطموه من التعذيب . وظل ستة أو سبعة أشهر على هذه الحال يذوق وبال أمره ويكتوي بسيف أسياده أنفسهم . وفي أواخر عام 87 نقل أبو عوض إلى سجن صيدنايا مع مجموعة من السجناء . فأنجانا الله من شره ومكره . وأرانا آية باهرة فيه لا تنسى .
المحكمة !
وانتهى العام .. ومضت أيام عام 85 على نفس الوتيرة من العذاب والقهر والمعاناة .. لتمضي قرابة خمس سنوات على اعتقالي .. حكم خلالها من كان من دفعتي بما حكم ، ونفذت الإعدامات بمن كان نصيبه حكم الإعدام ولم تتم محاكمتي أنا بعد . ولقد كان ذلك مصدر قلق دائم لي . فالمصير الواضح يظل في النهاية أخف من انتظار المجهول . والأعمار كلها بقدر الله أولاً وأخيراً .
وفي يوم 30/3/1985 وحوالي الساعة العاشرة فتح الشرطي شراقة الباب في مهجع السل 35 وتلى أسماء عدد من السجناء من لائحة بيده مطلوبين للمحاكمة ، كان من ضمنهم اسمي أنا واسم أخوين آخرين من مهجعنا . وخرجنا أنا والأخ حزين قاسم محاميد من المعرة وهو ابن دفعتي أيضاً ، وثالثنا أخ من قرى حلب خريج المدرسة الشرعية من بيت المصطفى فيما أذكر . وفي باحة الذاتية تم تجميعنا قرابة السبعين أو ثمانين شخصاً مغمضي الأعين مكبلي الأيدي وأمرونا أن نجلس القرفصاء وجوهنا للجدار وظهورنا كالعادة باتجاه الشرطة الذين لم يكفوا عن ضربنا وركلنا ولطمنا بالعصي والخيزرانات والكرابيج .
وبعد قرابة الساعتين من الضرب والشتم والتعذيب وصل دوري ونادى المنادي اسمي فرفعت يدي بالإجابة . وعلى باب الغرفة التي تتم فيها المحاكمة أمرني الرقيب أن أفتح عيني واقتادني إلى كرسي أمام القاضي وأجلسني عليه . لكنني بقيت من خوفي وتحسبي مغمض العينين مطرق الرأس حسب التعليمات . فناداني هذا الرجل القابع وراء المكتب باسمي وقال لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه .
فعلت ما قال صاحب الصوت .. ونظرت فرأيت رجلاً قصير القامة أصفر الوجه لئيم النظرات .. يتدلى حول شفتيه شاربان رفيعان يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجوز . يتوسط شخصين آخرين عن يمينه وشماله .. قدرت أنه سليمان الخطيب الذي طالما تحدث الإخوة عنه وقصوا من قصص لؤمه وخَبَله الكثير !
من نظمك ولا ؟
هكذا ابتدرني سليمان الخطيب بالسؤال .
قلت : سيدي أنا مش منظم .
قال : شو اسمك إنت ؟
محمد سليم حماد سيدي .
قال وهو يمعن النظر في إضبارتي : انت أردني ولا !
نعم سيدي .
ما بكفينا هالعرصات اللي عنا ولا .. انت جاي كمان هون تقاتل معهن ؟
قلت له : سيدي أنا ما قاتلت ولا عملت شيء .
وعاد يقرأ في الإضبارة للحظات ثم سألني :
شو علاقتك مع سالم الحامد ؟
قلت وقد تبين لي أنه لم يطلع على الملف من قبل : كنت أعرفه من الجامعة .
ومن غير أن يزيد أو ينقص عقد سليمان الخطيب حاجبيه وقطب جبينه ثم التفت نحوي وصاح :
نحنا عم نحكم الناس هون بالإعدام .. وإنت لازم نشنقك من بــــــــ !!
واتجه بنظره إلى الرقيب وقال له وقد قضي الأمر : خذه .
وكانت تلك نهاية محاكمتي . ومضيت عائداً إلى الرقيب لا أكاد أحس لشيء من حولي بطعم أو معنى . فلما أعادني بدوره للشرطي أمرني ذاك ومن غير مقدمات أن أفتح يدي . فلما فعلت هوى بالكرباج عليهما ثم أمرني أن أجلس مكاني .
وتتابع دخول الإخوة إلى المحاكمة وخروجهم منها . حتى إذا انتهت الدفعة عادوا بنا كل إلى مهجعه . وأقبلت على الأخوين الذين خرجا من المهجع معي أسألهما عن الحكم فأخبراني أنه الإعدام أيضاً . لكن ذلك لم يكن بعد هذا الذي رأيناه طوال السنوات الخمس الماضيات يعني لنا الكثير . فالموت في هذا المكان متوقع في كل لحظة .. وهو إذا حدث خاتمة الأحزان وباب الفرج . ووالله ما رأيت أحداً ممن خرج إلى الإعدام كل هاتيك السنوات التي قضيتها هناك اختلجت له شعرة .. الكل كان إذا دنت ساعته مقبلاً غير مدبر . وإذا طلبوه بادر بنفسه يستبق إلى الباب رغبة منه بالشهادة ولقاء الله .
بقرة أبي سليمان !
ومن المضحكات المبكيات التي لا تزال عالقة بذاكرتي عن أيام المحاكمات وحكاياتها أن أخاً ممن عرضوا على المحكمة كان طبيباً بيطرياً من منطقة الساحل السوري وكان يعمل في قرية دريكيش مسقط رأس سليمان الخطيب رئيس هذه المحكمة الهزلية . ولقد حدث أن أهل سليمان الخطيب كانوا يربون الأبقار كما يبدو . فلما مرضت إحداها أخذوها قدراً إلى ذلك الأخ ليعالجها . لكنها ماتت بقدر الله بعد ذلك . ودارت الأيام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمام القاضي سليمان الخطيب نفسه . فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه :
آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا ؟ روح بدي أعدمك .
ولقد تم إعدام الأخ المسكين بالفعل . وسمعنا القصة من عدد من الإخوة كانوا معه في نفس المهجع التقيناهم بعدها . سمعوا الرواية من الطبيب وشهدوا بأنفسهم إعدامه رحمه الله !
ومما كان يتداوله السجناء عن عبثية تلك المحكمة وسخافة رئيسها ومزاجيته أن أحد العسكريين الذين كانوا يخدمون في مدرسة المدفعية بحلب أيام استشهاد النقيب ابراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة المدرسة قبل ذلك بشهور . هذا العسكري أُمِرَ مع بقية الضباط والجنود في المدرسة بالمرور على جثة النقيب المسجاة والبصق عليها . ويبدو أن الأخ امتنع عن التنفيذ أو أحجم أمام هيبة الموت .. فاعتقلوه من ساعتها وساقوه من سجن إلى آخر لينتهي به المطاف بين يدي النقيب سليمان الخطيب هذا في محكمة تدمر . فلما سأله لماذا امتنع عن تنفيذ الأمر العسكري أجاب الأخ بأنه لم يمتنع ولكن ريقه كان ناشفاً . فاتجه سليمان الخطيب إلى كاتب المحضر وأملاه ليكتب :
.. وبصق وكانت بصقته ناشفة . إعدام !
وأعدم الأخ كذلك .. وظلت القصة تدور على ألسنة السجناء واحدة من مهازل هذا النظام واستهتاره وظلمه . وشاهداً على سفاهة ذلك القاضي الدعي ومزاجيته وحقده .
في انتظار الموت !
ومضت الأيام .. وبات الموت الآن أدنى إلينا نحن الذين حكمنا بالإعدام . وبعد شهرين .. وكما جرت العادة دوماً نصبت المشانق مع إطلالة الصباح واستعد الجلادون ، وبدأت جموع الشباب المؤمنين تساق إلى حتفها . وفتح باب مهجعنا ونادى الشرطي اسم الأخ الذي كان ثالثنا في المحكمة . لكن الذي حدث أنه رحمه الله كان قد مات قبل أسابيع قليلة بين أيدينا بعد أن غلبه السل وقضى عليه . فعاد الشرطي ومن معه يخرجون سجناء آخرين من المهاجع المجاورة . وأما أنا وما أن نادى الشرطي اسم الأخ حتى خلت منيتي قد حضرت . وإذا كانوا قد نادوا عليه فأنا وإياه قد حكمنا في يوم واحد .. وتنفيذ الحكم لا بد وأن يكون في نفس اليوم أيضاً . وهرعت من فوري فصليت ركعتي الشهادة على عجل . وجعلت أخلع عني ملابسي ليستفيد منها الإخوة الآخرون من بعدي .. ووقفت عند الباب متوجساً أنتظر أن ينادوا علي . وجعل الإخوة يقتربون مني واحداً بعد الآخر يودعونني ويثبتونني .. وراحت الخواطر تأخذني يسرة ويمنة .. وعبرت صورة أهلي أمام ناظري فغصصت . وتوجهت إلى الله تعالى أدعوه بسري أن يلهمهم الصبر والسلوان .. وأن يجمعني معهم في الجنة . وأخذت أسأله سبحانه أن يغفر لي ويتغمدني برحمته .. وأنظر إلى الباب أنتظر أن يفتح اللحظة . فإذا مرت قلت هي اللحظة التالية . لكن الوقت مر .. وانتهى تنفيذ الأحكام .. وهدأت الأمور في الخارج ولم يأت أحد . فلم أجد إلا أن أرتد إلى مكاني كما يرتد الغريق من غيبوبة الإختناق إلى صحوة الحياة .
وأيقنت أن في العمر بقية لم تزل ، وأن الأجل لم يحن بعد . ومضت أسابيع أخر .. واستعدت ساحتنا لتشهد مجموعة جديدة من أحكام الإعدام . وعاد الشرطي إلى مهجعنا فنادى الأخ الآخر حزين قاسم الذي حكم معي .. وساقوه إلى الموت وأنا عند الباب أنتظر دوري كما فعلت المرة السابقة . لكن أحداً لم يحضر لطلبي . وانتهت عملية الإعدامات كذلك من غير أن أكون أحد ضحاياها . وأخذت كلما سيقت إلى الإعدام دفعة من الإخوة أكرر ذات الموقف طوال السنوات الخمس التي تلت ! لا أشك في أي مرة منهن أن دوري قد حان الآن . وأحس أن خطأ ما قد حدث في المرات السابقات ولسوف يصححونه هذه المرة ويقودونني إلى أجلي لا ريب !
تقنين الطعام !
ومرت الأيام والشهور ولم يحن الأجل .. وخلال ذلك تم نقلي من مهجع 35 إلى مهجع السل 37 فالتقيت وجوهاً جديدة ، وتعرفت على إخوة لم يسبق لي أن التقيتهم من قبل . لكن الظروف كانت متماثلة ، والمعاناة ظلت واحدة . وزاد البلاء حينما طبق علينا نظام تقنين الطعام ابتداء من شهر أيلول 1986 فصار نصيب أحدنا من الخبز نصف رغيف فقط بدل الرغيفين الذين كنا نحصل عليهما في السابق ! وصرنا من جوعنا نأكل قشرة الصمونة مع واحدة من الوجبات ونوفر العجين بلبّها الذي لم ينضج للوجبة الثانية بعد أن اعتدنا في الفترة السابقة على رميه لأنه يصيب آكله بوجع البطن ولا يقي من الجوع . لكنا مع شدة الحاجة صرنا نعجنه مع البصل والملح ونوفره للوجبة التالية . ويوم أن كان يأتينا البرتقال كنا نقدمه على البصل فنمزجه بقشره مع العجين ، ونرش على الخليط ما توفر لنا من السكر ونحتفل به وكأنه طبق من الحلوى !
اليرقان
وهكذا انتشرت المجاعة في السجن وازدادت الأمراض وتزايد عدد الوفيات . حتى صرنا نودع في بعض الأحيان أخاً وأخوين كل يوم . وفي تلك الفترة وزيادة على البلاءات التي نحن فيها دهمنا عن غير ما موعد وباء اليرقان الكبدي .. فجعل الضحايا يتزايدون . ولخطورة هذا الوباء دعت إدارة السجن رؤساء المهاجع جميعاً إلى لقاء مشترك لتدارك الأمر . وكانت خشية الإدارة في مثل هذه الأحوال تنصب على المسؤولين وأفراد الشرطة بالدرجة الأولى . خوفاً على أنفسهم وخشية من أن تطولهم العدوى إذا انتشرت فينا . ولقد وفق الله أحد المسؤولين الصحيين وقتها فأبدى قناعته بأن الوباء إنما ينتشر عن طريق الدم بالدرجة الأولى . وأن ذلك يتم خلال الحلاقة الجماعية . ومن لطف الله أن إدارة السجن اقتنعت بكلامه . فتقرر من وقتها وقف الحلاقة الجماعية . وتم تسليم رئيس كل مهجع ماكينة حلاقة يدوية . يكون مسؤولاً عنها وعن أمر الحلاقة الدائمة لمهجعه . فرحمنا الله من عذاب الحلاقة من يومها . وخلصنا سبحانه من بعض هذا الضنك .
منع الصيام
واستمرت المحنة تدور رحاها من غير رحمة . ولم يعد للأيام ولا السنوات في حياتنا معنى .. فالبرنامج اليومي لا يكاد يتغير . والعذاب والمعاناة لا تترك لواحدنا فرصة التقاط الأنفاس . والقتل والإعدامات قتلت فينا شهوة الحياة وأطفأت معنى المستقبل لدينا . وهكذا حل عام 86 متصلاً بمأساة الأعوام التي سبقته وواصلاً إياها لما بعده من أعوام تلت . وفي بداية ذلك العام كان قد جرى نقلي إلى مهجع المسلولين 29 في الباحة السابعة وصرت رئيساً له منذ ذاك . ولم يكن في الساحة التي عليها المهجع إلا مهجع ثان فقط هو مهجع 30 إضافة إلى المستوصف الذي تم تخصيصه للسجناء الشيوعيين كما ذكرت . فكان نصيبنا من التنفس مضاعفاً . وبدل أن يكون مرة في اليوم كما جرت العادة فقد أصبح مرتين الآن صبحاً ومساء . ساعة في كل مرة بدل أن تكون نصف ساعة كما سبق . وهذا يعني مزيداً من العنت والقتل والتعرض لأذى الشرطة المتربصين .
ولقد اشتد أذى الشرطة في تلك الفترة زيادة عما هو عليه وتمادوا في عدوانيتهم . فكنا إذا خرجنا إلى التنفس في الصباح أو في المساء جهزنا أنفسنا لحفل كامل من التعذيب ينتظرنا . ولكم كان يحلو لهؤلاء الزبانية أن يبطحوا واحداً منا على الأرض ويأخذوا بالقفز على ظهره أو على صدره بلا رحمة . ولكم تكسرت أضلاع إخوة منا في هذا النوع من التعذيب . ولا أنسى كيف قام واحد من هؤلاء الموتورين مرة بإخراج عضوه على مرأى الناس جميعاً وأخذ يبول علينا ونحن جالسين القرفصاء بين يديه في موعد التنفس ! وأما الجلد والضرب والمسبات البذيئة فهذه كلها لم تعد تدخل في الحساب لأنها جزء لازم من حياتنا على مدار السنوات التي خلت .
ومما لا يزال واضحاً في ذاكرتي عن ذلك العام أنهم منعوا فيه الصيام عنا في رمضان لأول مرة . فمن قبل كانوا يأتون لنا بالسحور والفطور بدل وجبات الطعام المعتادة . لكنهم وابتداء من رمضان عام 1986 امتنعوا عن ذلك . وصارت الوجبات الثلاث على فقرها تأتينا في مواعيدها العادية . وصار ممنوعاً ادخار الطعام إلى الفطور أو السحور . فإذا أحسوا أن أحدنا صائم أخرجوه وقتلوه قياماً وقعوداً وأجبروه على الإفطار . وهكذا صرنا ممنوعين من الصلاة ومن الصيام معاً . وزادنا الزبانية بذلك هماً جديداً وقهراً وعذاباً من نوع آخر .
كذلك يحضرني من ذكريات عام 1986 المريرة إعدام العميد أحمد غنوم الذي اعتقل منذ عام 1980 وظل طوال تلك السنين يعاني عذاباً مضاعفاً من الشرطة الحاقدين الذين كانوا يتلذذون بتعذيبه رحمه الله ، ويحسون بالنشوة وهم يرون إنفسهم يتحكمون بهذه الرتبة العسكرية العالية وهم مجرد أفراد مجندين في التسلسل العسكري .
اختناق
ومع اشتداد الكرب وتوافد المزيد من السجناء على المهاجع التي اكتظت بنزلائها حدثت في شهر آب من عام 87 حادثة مثيرة . ففي ذلك الشهر الذي يسمونه آب اللهّاب ارتفعت الحرارة بشكل غير معقول في الوقت الذي كانت التهوية في المهاجع منعدمة والشراقات والنوافذ تجلب المزيد من السخونة ولا تقي من وهج الشمس شيئاً ، مما تسبب في حادثة اختناق جماعي كادت تودي بأرواح العشرات .
ولقد بدأ الإختناق وقتها في مهجع السل 36 قبيل المغرب وأخذ السجناء الذين شارفوا على الموت يقرعون الباب وينادون الحرس وقد طاشت منهم العقول وشارفوا على الهلاك . فلما أتوا يسألونهم عم حدث صاحوا فيهم أنهم يختنقون . لكن الشرطة لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد وتلكأوا في الرد عليهم . ففقد السجناء المساكين عقولهم وقد قاربوا أن يفقدوا أرواحهم جميعاً ، وأخذوا يقرعون الباب ويدقون على الجدران ويرفعون أصواتهم بالصراخ والمسبات .
وسرعان ما صدرت الأوامر للشرطة فانتشروا على أسطحة مهاجع الباحة كلها ، وسلطوا الرشاشات الكبيرة 500 مم على المهجع خشية أن يتطور الأمر إلى تمرد أو عصيان جماعي ، ثم فتحوا الباب للسجناء ليخرجوا إلى الباحة . وما أن فعلوا حتى اندفع الإخوة من غير وعي لا يلوون على شيء . وارتموا على الأرض يتلوون ويتقيأون . وحضر طبيب السجن وقتها وتأكد من جدية الأمر . ولم يلبث أن صدر الأمر بإخراج سجناء المهاجع كلهم إلى الباحات تفادياً لتكرار الأمر . وبقينا يومها في الهواء الطلق حتى قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يعيدونا إلى مهاجعنا . ومن يومها وعلى مدى أسبوعين تاليين ظللنا نخرج إلى التنفس مرتين في اليوم من غير ضرب أو تعذيب . وسمحوا لنا وقتها أن نرش أرض الباحة الإسمنتية بالماء للتخفيف من حدة الحر . ثم لم تلبث هذه الإستثناءات أن انتهت . وعدنا إلى برنامج المعاناة نفسه . فنجونا من الحر القاتل ومن الإختناق ولكن إلى حين !
تنقلات
مضت أيام قليلة على حادثة الإختناق تلك لأراني أنقل من مهجع السل 29 إلى مهجع جديد للأصحاء بنوه أمام مهجع 25 في الباحة السادسة أطلقنا عليه اسم "جديد ظهره" . فوجدتني في مساحة غرفة ونصف محشوراً مع مائة وعشرين سجيناً نكاد من شدة الزحام أن نجلس فوق بعضنا البعض !
ولقد تم اختياري رئيساً لهذا المهجع أول ما دخلناه . فلما رأيت الحالة على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبة طعام يحضرونها إلينا وقلت للمساعد أن العدد كبير هنا . ومن غير أن يجيبني بشيء مضى المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قياماً وقعوداً رجعت منها إلى المهجع محملاً !
لكن الحر لم يكن ليرحمنا .. والمكان يطبق علينا بجدرانه الصماء فكأنه القبر . ولم تمض أيام قلائل حتى طفح الكيل بنا وفقدنا القدرة على التحمل . وجعلنا قرابة منتصف الليل ننادي الشرطة وندق الباب ونقفز نحو النوافذ نكاد نختنق . وعاد الشرطة فأخرجونا إلى الباحة ساعة زمن ثم أعادونا . ثم لم يلبثوا وأن عادوا وطلبوا عشرين شخص منا ليغادروا إلى مهجع آخر فكنت في طليعتهم . ووجدتهم يقودوننا إلى مهجع 28 في نفس الباحة . فكانت فرصة لي للنجاة من الإزدحام من جهة ، والتعرف على إخوة جدد من ناحية أخرى . كان من أبرزهم الشيخ محمد سعيد عطا أحد تلاميذ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي . فاستفدت من علمه ومن صحبته .
كذلك التقيت في مهجع 28 رجلاً من بيت العطار من حلب وجدت الإخوة يجهدون في مداراته وخدمته والتخفيف عنه . ولم ألبث أن أعلموني أن المسكين شهد سَوْقَ ولديه الإثنين إلى الإعدام أمامه وهما في مقتبل العمر . وما زاده ذلك إلا إيماناً وتسليماً .
مغادرون .. وقادمون !
ولم تطل إقامتي في مهجع 28 كذلك ، فلم ألبث أن نقلت من جديد إلى مهجع السل 18 في الباحة الرابعة فكانت محطة قصيرة أخرى ، حدث خلالها أن قامت إدارة السجن بنقل الشيوعيين ومجموعة أخرى من السجناء الأحداث إلى سجن صيدنايا الذي بني حديثاً وقتها . فلما خلا المستوصف من الشيوعيين نُقلت إليه مع مجموعة من السجناء الآخرين . ثم لم نلبث في هذه الفترة العصيبة أن تناهى لأسماعنا وصول دفعة جديدة من المعتقلين حلوا بدلاً عن المغادرين إلى صيدنايا . ولقد بلغنا أن الوافدين الجدد اتهموا بحوادث تفجير باصات وقطارات وقتها ، وأن عددهم كان بين الستين والسبعين ، عزلوهم كلهم في مهجع مستقل وسلطوا عليهم أشد أنواع العذاب حتى قضى عدد منهم حتفه . ولقد كنا نسمع أصواتهم وهم يعذبون ونتلقى نتفاً من أخبارهم من هنا وهناك ، غير أننا لم نلتق بهم ولم نعرف عن مصيرهم شيئاً مؤكداً بعد ذلك .
وبعد أن مكثت هناك فترة تم نقلي ثانية إلى مهجع 29 . ثم لم ألبث أن نقلت مرة أخرى إلى مهجع 28 . وبعد حوالي خمسة أو ستة أشهر تالية نقلت من جديد إلى مهجع 22 في الباحة الرابعة . وفي هذا المكان تعرضت إلى محنة جديدة كدت أن أفقد حياتي بسببها وقتذاك . ورأيت من الأهوال هناك ما كاد ينسيني كل هذا الذي رأيت وعانيت من قبل !
حتى في المنام !
كانت الأسابيع الأولى التي أمضيتها في مهجع 22 كالواحة التي فاجأت عابراً أنهكه العطش وهدّه التعب في صحراء قاحلة . فمن قبل كنا في المهاجع الأخرى معرضين ليل نهار لمراقبة الشرطة من فوق الشراقات . ولم نكن بذلك نأمن شرورهم بسبب كان أو من غير سبب . فلما جئت مهجع 22 وجدته من غير شراقات . ووجدتنا على الرغم من الشدة المحيطة وسوء الأحوال نغتنم هذه الفرصة ونتنعم بها أيما تنعم . فوقتها استطعنا من أن نعود إلى صلاة الجماعة ونؤديها بشكل طبيعي بعد أن حرمنا ذلك كل هاتيك السنين . وصار أحدنا إذا أراد أن يتحدث في الأوقات التي لا يتردد الشرطة فيها علينا وقف وتكلم وأنصت له الباقون وحاوروه وشاركوه .
كذلك كانت تلك الفترة استثنائية بالنسبة لتوفر الطعام أيضاً . فلم يكن عددنا قد جاوز الستين ولكننا كنا نتلقى طعاماً مخصصاً لحوالي المائة والخمسين وفق ما اعتاد الشرطة أن يحشروا في هذا المهجع وفي سواه . ولقد تم اختياري رئيساً للمهجع 22 أيضاً من أول ما وصلت إليه .
لكن هذه النعم لم تطل . ومع اشتداد الأحوال في السجن عام 1988 وازدياد الأوامر صرامة وقسوة فوجئنا بالإدارة تقرر فتح شراقتين في سقف المهجع 22 أسوة ببقية المهاجع الأخرى . وعاد التنفس ليصبح مرتين في الصبح وفي المساء . ومع كل موعد تنفس حفل تعذيب .. ومع كل فتحة باب للتفقد أو لإدخال الطعام حفل آخر . ولم تلبث أن صدرت إلينا الأوامر لأول مرة خلال فترة سجننا بالكامل أن نغطي أعيننا ونحن نيام ! وألزمونا أن يحتفظ كل منا بطماشة دائمة معه ليغطي بها عينيه حين النوم . علاوة على أن يكون النائم دائماً على جنبه باستمرار . فعدنا بذلك إلى وضعية الإنكشاف المستمر للشرطة الذين يتجولون فوق المهاجع باستمرار . وصار واحدهم إذا شاهد من الشراقة أحداً منا يتقلب في الليل خلال نومه أو يتحرك حتى ولو من غير إرادته صاح بالحرس الليلي أن يوقظه ويعلّمه . فإذا أصبح المسكين كان الشرطي وعذاب لا يعلمه إلا الله في انتظاره !
ولكم كان الشرطي يطل على المهجع بعد منتصف الليل يتصيد أحداً يشبع فيه تشهيه للقتل والتعذيب . فإن لم يجد كان أسهل ما يكون عليه أن ينادي على الحرس الليلي ويأمره أن يعلّم نفسه ! بل إنهم كانوا يحضرون في الصباح ويسألون رئيس المهجع أين المعلَّم . فإن لم يكن الشرطي قد علّم أحداً ليلتها قالوا له : أخرج الحرس الليلي من ساعة الثانية عشرة إلى الواحدة مثلاً . فيخرجونه ويتسلون بتعذيبه وضربه من غير أي سبب .
وضاعف الشرطة من ترصدهم للمصلين . وصار أمراً اعتيادياً أن يخرجوا رئيس المهجع ويسألونه عن أسماء الذين لا يزالون يصلون عنده . ولقد حدث ذلك معي مرات عديدة . فأخرجوني وسألوني وضربوني لأقدم لهم أسماء من يصلي أو يُدَرِّس في المهجع !
طلاق بالإكراه
ومن مشاهد تلك الفترة التي لا تزال تحضرني قصة طبيب أسنان من دمشق اسمه رضوان العمر استدعوه بعد حوالي تسع سنوات مضت على اعتقاله وأمروه في الذاتية أن يوقع على ورقة طلاق زوجته . وذعر الأخ .. ورفض أن يفعل . لكن جلسة التعذيب التي أتبعت رفضه جعلته يوافق مكرهاً . فكانت من ثم القاصمة له . ووجد نفسه بعد هذي السنوات يفقد زوجه وطفله من غير إرادته ومن دون أن يعرف السبب ، ومن قبلهما فقد شبابه وحريته مع ألوف من خيرة أبناء الوطن مثله . ولا أدري ما الذي حل بالأخ بعدها ، لكن آثار محنته الأخيرة تلك نزلت عليه كانت أثقل ربما من كل ما نزل به طوال سني اعتقاله . ولم يكن له ولا لنا أمام ذلك كله إلا التسليم والإحتساب .
|