عرض مشاركة واحدة
قديم 02-17-2012, 09:22 AM   #8
أحسن واحد بالعالم


الصورة الرمزية أمير الاحساس
أمير الاحساس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1034
 تاريخ التسجيل :  May 2011
 أخر زيارة : 03-13-2026 (09:12 PM)
 المشاركات : 3,838 [ + ]
 التقييم :  3893
 معدل التقييم : أمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond repute
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كلما غنيت باسم امرأة اسقطو قوميتي.
وقالوا .
كيف لايكتب شعرا للوطن؟
وهل انتي شيء اخر غير الوطن؟
لوني المفضل : Cadetblue
عدد الترشيحات : 8
عدد المواضيع المرشحة : 5
رشح عدد مرات الفوز : 4
شكراً: 210
تم شكره 555 مرة في 347 مشاركة
افتراضي



[size="7"][size="6"][color="blue"][font="comic sans ms"]جرعة العذاب !
دخلت المهجع 35 في الباحة السابعة فوجدت ويا لهول ما وجدت ! أكثر من مائة من الإخوة ألقى المرض بكلكله عليهم فسلبهم نضارة الحياة وسمت العافية . فهذا لا يكف عن السعال وفي يده علبة صفيح صدئة يبصق فيها البلغم والدم . وذاك يتقيأ بين فينة وأخرى ولا يستطيع أن يمسك نفسه . وثالث أصاب السل كليتيه فانتفخ جوفه وكأنه امرأة حامل ! ووجدت المصاب بسل الخصيتين ، وسل العظام ، وسل السحايا ، وسل الرئتين .. وكان على كل أولئك وعلي أن نستخدم الحمام نفسه وأن ننام متجاورين نتبادل العدوى ونتلقاها شئنا أو أبينا .

ولقد كنت أظن أو أؤمل أن تكون ظروف مهجع المسلولين أفضل من غيرها ، لكنني وجدت الأمور كأنها لم تتغير . فالبطانيتان اليتيمتان والعازل على حالهم .. والشراقة والنوافذ المفتوحة كتلك التي في بقية المهاجع . والحرس على الباب وفوق المهجع يروحون ويغدون . وهناك برنامج غير منقوص من التفقد إلى التنفس إلى سوء الطعام ورداءة الظروف . وعندما نكون في الساحة أو يرى الشرطة منا ما لا يسرهم كنا ننال من الضرب والجلد والعذاب ما لم يختلف عن ذاك الذي يناله الإخوة الأصحاء في مهاجع أخرى . ولعل ميزة المهجع الوحيدة كانت في نزلائه المسلولين جميعاً .. وفي جرعة الدواء التي خصونا بها وحسب ! وحتى جرعة الدواء تلك كانت أداة تعذيب وابتزاز لنا .. فلا يكاد ينقضي شهر على توفرها حتى تنقطع وتغيب أسبوعين أو عشرة أيام . فإذا عادت جعلنا نتخوف انقطاعها ونترقب وصولها فنزداد قلقاً على قلق وعذاباً على عذاب .

وهكذا ، ومع اضطراب تعاطي الدواء واستمرار سوء التغذية وقساوة الظروف استمر الإخوة يتساقطون موتى واحداً بعد الآخر حتى عددت أكثر من عشرين أخاً ماتوا من مهجعنا نحن فقط . ومن هؤلاء أذكر الآن أخاً من حمص اسمه عبد الرحمن فليطاني ، وآخر اسمه عبد الساتر مصطفى من نفس المدينة . ومصطفى المصطفى من قرية منخ قرب مدينة حلب . وآخر اسمه الأول مصطفى من حلب أيضاً .

نوبة قلبية
ومن شهداء مهجع السل أيضاً تحضرني قصة الأخ محمد حسن عجعوج من حماة الذي كان من جماعة الشيخ مروان حديد الأوائل . والذي قامت المخابرات السورية باعتقاله من لبنان بعيد اعتقال الشيخ مروان ، وأودع سجن المزة مع بقية من اعتقل وقتها . ومع تطور الأحداث وتصاعد موجات الإعتقال في بداية الثمانينات نقل الأخ حسن إلى سجن تدمر بعد المجزرة الكبرى التي حدثت هناك . وتنقل من مهجع 9 إلى مهجع 11 لألتقيه وقد أصابه السل آخر الأمر في مهجع 35 .

وهناك وفي يوم من الأيام وصل محمد حسن عجعوج نبأ استشهاد أسرته جميعاً أثناء أحداث حماة قبل أقل من عام . وسمع بأن واحداً من اخوته سُحِلَ في شوارع المدينة سحلاً . فلم يتمالك رحمه الله وأصيب بنوبة قلبية قضت عليه .

وصار أمراً اعتيادياً بيننا أن ننادي الشرطي صباح كل بضعة أيام ونخبره بوفاة أحد المرضى ، ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته نكاد لا نحس تجاه الأخ الفقيد بالحسرة قدرإحساسنا بالغبطة أن قبضه الله إليه فاستراح من هذا العذاب !


هستيريا
ومن مشاهد مهجع السل التي لا تنسى مشهد الأخ بسام الحافظ من حمص الذي فقد القدرة آخر الأمر على تحمل كل هذه العذابات والضغوطات النفسية وما عاد يقدر على تلقي المزيد . فوجدناه في ليلة من الليالي ينهض وسطنا وقد احمرت عيناه فكأنما هما من دم أو نار وراح يطلق عقيرته بالصراخ والعويل . وكان الإخوة كلما حاولوا تهدأته ازداد انفعالاً وتأزماً .

ودخل الشرطي المناوب يستطلع الأمر ، وأمر المسؤول الصحي الأخ زاهي عبادي أن يسكته بالقوة . فلم يجد الأخ إلا أن يعطيه إبرة مسكنة هدأته بالتدريج . وفي الصباح نادى الشرطي المسؤول الصحي ليخرج هذا الأخ إليه . فلما خرج المسكين انهال الشرطة عليه ضرباً وجلداً وأعادوه يكاد يسلم الروح . لكنه وعندما حل المساء عاد وانتفض وكرر ما حدث ليلة الأمس . فعاد الأخ زاهي وأعطاه إبرة ثانية مهدئة . وعندما أتى الشرطي من جديد رجاه أن هذا السجين مصاب بالهستيريا ولا يملك من أمره شيئاً . ووعده أن يبذل أقصى جهده لتهدأته وعلاجه . بعدها طلب زاهي منا أن نكف عن محادثة الأخ بسام . ونصبوا له في زاوية من زوايا المهجع ما يشبه الخيمة وأجلسوه فيها . وظل المسكين قرابة الشهرين معزولاً عنا لا يكلمنا ولا نكلمه بشيء .. أخذ خلالها يتحسن بالتدريج . ثم جرى نقله بعدها إلى مهجع آخر ولم نعد ندري ما الذي انتهت به الحال إليه


ألفية ابن مالك !
ومضت مسيرة العذاب .. تنهش المحنة من أجسادنا المنهكة وتقتات واحداً منا بعد الآخر ولا تشبع . ولم يكن أمامنا من باب نلتجىء إليه غير المولى تبارك وتعالى .. نتقوى به على محنتنا ونتعالى بالإلتجاء إليه على كل الجراح والعذابات .

ولقد كانت النفوس تضعف حيناً ، وتتقوى من ثم أحياناً أخر . لكن نفسياتنا تفوقت على أجسادنا ولله الحمد . وتمكنت من الثبات أغلب الأحيان حتى ولو انهارت الأبدان وتهتكت الأجساد . فكنا كلما خبت الهمم أو انتكأت الجراح نشد من عزم بعضنا البعض بالدعاء والصلاة والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى . ندعوه مع كل فتحة باب ، ونشكره كلما أغلقوا علينا الباب نفسه وبقينا سالمين ! وبعدها وإذا أحسسنا ببعض الأمان عدنا إلى برامجنا التي باتت غذاء أرواحنا ورواء قلوبنا .. درّتها كتاب الله الكريم . حتى إذا أتقن واحدنا حفظه التفت إلى من حوله من إخوانه فتعلم منه ما لديه من علم مفيد . فقه كان أو تجويد أو لغة عربية أو متون . فإذا أنهاها مضى يلتمس تعلم اللغة الإنجليزية أو الفيزياء أو الكيمياء .. وكل ذلك عن طريق المشافهة .

وأما أنا وبعد أن أتقنت حفظ القرآن الكريم كله بفضل الله عكفت على دراسة المتون ، وكان شيخي في ذلك أخ من حلب جزاه الله خيراً كان متقناً لحفظ المتون . فأخذت عنه البيقونية والجزرية والرحبية .. ومن ألفية ابن مالك حفظت حوالي 650 بيتاً ولله الحمد . وظهرت في هذا السياق مواهب وعجائب .. فكان بعض الإخوة يحفظون سيرة ابن هشام ويدرسونها لإخوانهم الآخرين . فلما اتقنها جمع منهم حولوها إلى منظومة أيضاً بالغة الإتقان .

التدمري الشهيد
ومن المواهب الفذة التي ظهرت بين السجناء أخ شاعر نظم مجموعة من القصائد الرائعة كنا نتناقلها بين المهاجع ونحفظها عن ظهر غيب . ولقد بلغنا أن الأخ حكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في كل المجموعة التي حوكمت معه ولم يصل الدور إليه .. ففجر ذلك كما يبدو موهبته الكامنة ، وجعله ينطق بمعاناتنا جميعاً من خلال قصائده الرائعة . ومما لا أنساه من تلك القصائد واحدة أهداها إلى إخوانه في مهجع السل يقول فيها :

سيشرق وجهك خلف الظلام

وصدرك ينزف خلف الحديد

وما كاد يثنيك حقد اللئام

فيا أيها التدمري الشهيد

عليك السلام عليك السلام

. . .

أخي إنا بعد الأذى والهوان

سنعلو على الخلق إنساً وجان

لنا الصدر أو منزل في الجنان

وبعد الأعاصير والزلزلة

كأن فؤادي غدا قنبلة !


راحل عنك ..
كذلك فجرت المحنة موهبة شعرية أخرى في أخ من حلب كتب قصيدة يناجي فيها والدته من خلف القضبان . فتلقاها أخ آخر من مهجعنا برزت موهبته الفذة في تلحين القصائد وإنشادها . فصارت القصيدة لحناً يتنقل على شفاه السجناء من مهجع إلى آخر ومن قيد إلى قيد .. فتشتد بها العزائم وتعلو بكلماتها النفوس :

عندما جاءت يفيض الود منها والحنين

تطرق الباب وفي دقاتها لحن حزين

أتراها تطلب الوصل وترجو أن ألين

أم تراها ظنت القيد يهز الصامدين ؟

. . .

قلت والثورة في نفسي أعاصير تجول

حسبي الله ربي ونعم الوكيل

وحملت الزاد والرشاش وقررت الرحيل

وعلى الباب بقايا من عبارات تقول

. . .

راحل عنك أقاسي من جراحي وأسافر

لا أبالي بالمنايا وعلى الطغيان ثائر

أتحدى ظلمة الليل وأحيا لأقاتل

علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل

أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل

. . .

راحل عنك أغني للسواقي والبيادر

أملؤ البيداء نوراً ونشيداً وبشائر

ورصاصي للطواغيت إلى النار تذاكر

في سبيل الله ماض تابعاً نهج الأوئل

علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل

أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل .


أنا بعثي !
ولقد كان من ميزات مهجع السل أيضاً اختلاط انتماءات نزلائه وتعدد الإتجاهات التنظيمية والسياسية فيه . فبعد أن كان سجناء مهجع 26 من تنظيمات إسلامية أو من المحسوبين عليهم جميعاً وجدنا أنفسنا في مهجع السل 35 متجاورين مع سجناء من تنظيمات يمينية موالية للبعث العراقي . ورغم أنني وبقية الإخوة كنا ولا نزال نتعاطف مع أي مظلوم امتدت سطوة النظام فسلبته حقاً أو زادته رهقاً ، إلا أنني رأيت أولاء البعثيين في أغلبهم مجرد منتفعين مصلحيين من فلاحي منطقة الجزيرة . جاء البعثيون العراقيون إليهم فاستغلوا فقرهم وحاجتهم وبساطتهم وأمدوهم بالمال فأصبحوا يعبدون رب هذا المال ليس إلا ! ولقد تسبب لنا هؤلاء للأسف بمزيد من المعاناة ، وكانوا مصدر إزعاج حقيقي لبقية المهجع . ورغم أن عددهم تراوح بين عشرة وخمسة عشر إلا أنهم أساؤوا للمجموع مرات كثيرة . فرغم المحنة التي أصابتنا جميعاً إلا أنهم كانوا لا يكفون عن النظر إلينا والتعامل معنا كأعداء تاريخيين .. وكانوا لا يتورعون عن وصفنا رغم كل الذي حصل ويحصل بالرجعية ! ولذلك استباحوا أن يفسدوا علينا للشرطة وإلى حد الإفتراء . فكان أحدهم إذا عنّ له خرج من المهجع وتوجه إلى الرقيب أو الشرطي وابتدره بالقول :


سيدي أنا بعثي .

وجعل بعد ذلك يخبره أننا ننظم داخل المهجع دروساً ولنا من بيننا شيخ نتبعه .. وأننا ندعو في دروسنا في المهجع إلى الجهاد ! ولطالما تسبب ذلك في إخراجنا جميعاً إلى الباحة لننال عقوبة جماعية بسبب هذه الإفتراءات .

ولا زلت أذكر من أسماء أولئك اليمينيين واحدا اسمه حسين الحافظ ، وآخر اسمه يعقوب يعقوب ، وثالث لقبه أبو علي .. كانوا كلهم من هذه الشاكلة . وأما من كان صاحب فكر ووعي من اليمينيين على قلته فقد تحول إلى الحق وأعرض عن سفاسف مجموعته منحازاً إلى الإسلام ، وشهدنا منهم من هذا النموذج من أحجم عن ذكر اسمه الآن سائلاً الله له السلامة و الثبات .



الشيوعيون المدللون !
وإذا كان هذا هو حال البعثيين العراقيين معنا فإن الشيوعيين الذين أحسسنا بوجودهم عام 84 كانوا في منزلة أخرى . ففي ذلك العام تم نقل الأخوات السجينات في مهجع المستوصف إلى سجن آخر . ولقد أحسسنا ذلك من خلال توزيع السخرة . فوقتذاك وفي ظل الإنفراج النسبي أوكلت إلينا مهمة توزيع الطعام على مهاجع الباحتين السادسة والسابعة ، وكان المستوصف ضمن هذا النطاق . لكن "البلدية" الموكلين بجلب الطعام أعلمونا في يوم من الأيام بالتوقف عن تقديم السخرة لمهجع المستوصف . وكنا قبل يوم مضى قد لمحنا رتلاً من النساء يغادر المهجع وقد قارب عددهن العشرين أو زاد عليه ، فأدركنا أنهن غادرن هذا المكان ، وسألنا الله تعالى لهن ولنا الفرج والنجاة . فلما خلا المكان أتوا بالشيوعيين إليه . فكنا نلمحهم بعض الأحيان ونسمع بوجودهم . ولما انتقلت إلى مهجع 29 لاحقاً صرنا متجاورين على باحة واحدة . وأصبح من الممكن لي أن أراهم بشكل متواصل وأطلع على وضعهم مباشرة . وكان أمراً مثيراً للعجب أن حالتهم كانت تختلف عن كل بقية السجناء تمام الإختلاف . فكانوا يطلقون شعورهم .. ويخرجون للتنفس بشكل دائم . ويتحدثون فيما بينهم ومع الشرطة بحرية كاملة .. ويدخنون ويطبخون ويستقبلون الزيارات بشكل متواصل . ولم نرهم يعذبونهم أو يضربونهم أبداً .. ولم نسمع بتنفيذ أحكام بالإعدام فيهم . ولم يكن عددهم يجاوز الأربعين .


مصيدة الطليعة !
ومضت الأيام ظاهرها الإنفراج وحقيقتها لؤم صرف وجشع وخسة تعصرنا من كل جنب عصراً . وخلال ذلك لم تتوقف دفعات القادمين الجدد إلى المهاجع مثلما لم تتوقف عمليات الإعدام . وكلما أخذوا من السجناء مجموعة للإعدام أحضروا مجموعة من المعتقلين الجدد بدلاً عنهم . لكن الحدث الجديد الذي زاد الطين بلة والعذاب عذاباً وقتها كان نجاح النظام في استدراج مجوعات من تنظيم الطليعة إلى سورية واعتقالهم جميعاً في خطة محكمة أوقعت عدنان عقلة نفسه بين أيدي المخابرات .

وكان استقبال شباب الطليعة غاية في الوحشية والفظاعة . وفي البداية تم عزلهم في مهجع خاص بهم صبوا عليهم فيه ما لا يوصف من العذاب .. حتى سلخوا جلودهم وهشموا أطرافهم وتركوهم من غير علاج يعانون أشد المعاناة .. إلى أن تعفنت أرجلهم المتقيحة وتفتحت جروحهم المتعفنة وسرت فيهم الغانغرينا فقضت على عدد غير قليل منهم . وبعد مدة وزعوا من بقي من هؤلاء الإخوة على بقية المهاجع ، كان منهم أخ من حلب التقيته اسمه أيمن عنجريني تم إعدامه فيما بعد . وآخر لم ألتقه ولكنني سمعت عنه وبلغني أنه أعدم بعدها وهو طاهر العلو من قرى حلب . ومن هؤلاء سمعنا بما جرى .. وبلغتنا أخبار الأحداث بالترتيب .. بدءاً بالشَرَك الذي أوقعهم فيه النظام عبر عميل مدسوس في صفوف التنظيم اسمه محمد جاهد دندش ، وانتهاء بوحشية التعذيب الذي لاقوه قبل أن ينقلوا إلى مهاجعنا .

وملخص ما حدث مع تنظيم الطليعة الذي توزع أكثر أعضائه بين الأردن العراق بعد أحداث حماة أن قيادته قررت العودة إلى الداخل لمعاودة بناء قواعدها وبدء مواجهة جديدة مع النظام . فالتقط جاهد دندش هذا الخيط وأوحى للطليعة أنه قد أمن لهم الطريق الآمنة والأدلاء الخبراء لإيصال العناصر إلى حلب . وبدء نزول الشباب عن طريق الحدود التركية السورية مجموعة بعد أخرى يتقدمهم عدنان نفسه . كان جاهد والمخابرات السورية يستقبلونهم أولاً بأول دفعة وراء دفعة ويرسلوا إلى قيادة الطليعة في الخارج الإشارة المتفق عليها فيما بين النازلين والقيادة إشعاراً بسلامة الوصول . حتى اكتمل نزول قرابة السبعين أخاً سقطوا جميعاً بين أيدي النظام لا حول لهم ولا قوة .

ولم نعلم عن مصير عدنان عقلة نفسه شيئاً مؤكداً ، إلا أن بقية الإخوة تنقلوا من فرع العدوي إلى التحقيق العسكري فتدمر . وزاد من معاناتهم ومعاناتنا معاً أنهم كانوا شديدي الإنغلاق على أنفسهم مثلما كانوا شديدين وجريئين في أحكامهم على قيادات الإخوان وتقييمهم لهم . وكانوا بعد هذا الإحباط الذي أصابهم والمشاكل التي عانوا منها من قَبْل مع قيادة الإخوان لا يتورعون عن وصمهم بالخيانة والعمالة ، ويحملونهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في حماة وفيما قبلها وبعدها . الأمر الذي استفز عناصر الإخوان في المهجع وهم يرون قياداتهم التاريخية ورموز تنظيمهم تجرّح على الملأ ، وأحدث بيننا سبباً جديداً للقلق وللتوترات .

أين الخلل ؟
أوتسبب هذا اللغط بحدوث فجوة كبيرة حقيقة الأمر بين أهل المهجع .. وطفت على السطح لأول مرة خلافات التنظيمين بهذا العمق لتنعكس علينا ونحن كلنا أسرى المحنة نفسها . لكن الأخطر من ذلك انعكاس هذه المهاترات على نفوسنا وقناعاتنا الداخلية . فمن قبل لم نكن نعرف عن هذا الخلاف الكثير .. وأكثر ما كان يبلغ أسماعنا في السابق الحديث عن الخلاف بين جماعة الأستاذ عصام العطار والقيادات الأخرى . وكان الخلاف يبدو لنا فكرياً محضاً .. لم يتسبب في إراقة دماء أو وقوع أحد في براثن النظام . ولم يكن الحديث عن ذلك الخلاف يصل بين أطرافه إلى هذا الحد من الإحتداد . أما الآن وبعد أن رأينا الذي رأينا وسمعنا اللغط والإتهامات التي سمعنا صرنا نتساءل في سرائرنا عن حقيقة ما حدث . ونراجع حساباتنا ونقلب دفاترنا العتيقة في خبايانا ونتساءل : هل كان الناس الذين مشينا وراءهم من هؤلاء أو أولئك على هذه الحال فعلاً ؟ هل هناك عملاء ومدسوسون في تلك القيادات التاريخية بالفعل ؟ هل هو دخان من غير نار .. أو أن الأمر مجرد مبالغات وردود فعل وحسب ؟ وإذاً فما مقدار الخلل الحقيقي .. وأين موقعه .. ومن المسؤول عنه ؟

ولقد زاد من تشابك الموضوع وتعقيده أن الذين أخذوا يشاركون فيه لم يكونوا كلهم من أهل الإنتماء بالأصل . ولم يكن لدى الجميع قدر واحد من التربية ومن المعرفة أو من الحكمة .

وواقع الأمر فقد أدى فتح الجروحات العتيقة تلك بعد هذه السنوات المريرة من العذاب والقتل والموت إلى إحباط نفسي لدينا ، وأوقعنا في فتنة جديدة كنا أشد الناس حاجة للبعد عنها ، وأحدث في صفوفنا شرخاً كبيراً ترك أثره العميق فينا .. وبقيت ظلاله الداكنة تحز في القلوب إلى يومنا هذا .. وتوجع كلما تحركت أكثر مما أوجعت كل عذابات الجلادين الظلمة .. وتؤلم أشد من ألم السياط بكثير


 

رد مع اقتباس