عرض مشاركة واحدة
قديم 02-17-2012, 09:17 AM   #7
أحسن واحد بالعالم


الصورة الرمزية أمير الاحساس
أمير الاحساس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1034
 تاريخ التسجيل :  May 2011
 أخر زيارة : 03-13-2026 (09:12 PM)
 المشاركات : 3,838 [ + ]
 التقييم :  3893
 معدل التقييم : أمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond repute
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كلما غنيت باسم امرأة اسقطو قوميتي.
وقالوا .
كيف لايكتب شعرا للوطن؟
وهل انتي شيء اخر غير الوطن؟
لوني المفضل : Cadetblue
عدد الترشيحات : 8
عدد المواضيع المرشحة : 5
رشح عدد مرات الفوز : 4
شكراً: 210
تم شكره 555 مرة في 347 مشاركة
افتراضي



مهجع المدعومين !

وأخذت الأمور تتطور بالتدريج من حولنا ، فلم نلبث أن تبلغنا في شهر آذار 1983 بتغيّر النظام العام للسجن ، وأنه بات مسموحاً لنا الآن أن نفتح أعيننا ونرفع رؤوسنا أمام الشرطة العسكرية بشكل طبيعي . وبدأنا نلحظ تغيراً نسبياً في تعامل الشرطة وإدارة السجن مع مهجعنا في ظل ولاية أبي عوض عليه . فخفت الضغوط بعض الشيء عنا ، وأوكلت مهام الأمر والنهي داخل المهجع إلى أبي عوض أغلب الأحيان . ولم يعد الشرطة يكثرون من الدخول علينا أو التنكيل بنا . فيما تتالت لقاءات أبي عوض مع محمد الخازم الذي كان يستدعيه إلى الذاتية بين حين وآخر ، فإذا عاد وسئل عما جرى لم يجب إلا بالقشور .

وأخذنا نسمع عن زيارات تتم لبعض السجناء يحضر أهلهم لمشاهدتهم فيحضرون لهم كميات من الهدايا والأموال غير قليلة . وكان ذلك لا يتم إلا للموسرين بالطبع . وبعد واسطات ورشاو فاحشة عرفنا بها من بعد . وفوجئنا من ثم بهؤلاء السجناء يتواردون على مهجعنا واحداً بعد الآخر ومجموعة إثر مجموعة . حتى بتنا نسمي مهجعنا ذاك مهجع المدعومين !

ومع هذه التطورات عاد الطبيب يجول على المهاجع ويقدم بعض العلاجات الأساسية للسجناء ، وتم تعيين مسؤول صحي من السجناء في كل مهجع ، تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية للسجناء إلى الطبيب حتى لا يضطر الطبيب نفسه إلى فحص المرضى والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم !


أخوة بالإكراه !
وفي يوم من أيام شهر حزيران عام 1983 فوجئنا بالشرطة يخرجوننا إلى الباحة ويخرجون معنا سجناء المهاجع الأخرى في باحتنا .. وإذ بمدير السجن المقدم فيصل الغانم الذي كان أحد المشرفين على مجزرة تدمر الكبرى عام 1980 يقف فينا خطيباً لأول مرة ويكلمنا بلهجة ما اعتدنا أن نسمعها قط كل هذه الأيام التي خلت .

ولأكثر من أربعين دقيقة جعل يحدثنا أننا فعلنا كذا وكذا ، وأخطأنا بحق الوطن ، ولكننا برغم ذلك نظل إخوة ! ووسط إيعاز الشرطة لنا بين كل جملة من كلامه والجملة الأخرى بالتصفيق تساءل الغانم عن الفرق بين العلوي والسني .. وأضاف فقال بملء فيه : أنا خَيّكُم ( أي أخوكم ) غصباً عنكم .

وبين الإستغراب المطلق والتحفظ المطبق من جانبنا أكمل الغانم محاضرته بالحديث عن اسرائيل التي قامت بمجزرة صبرا وشاتيلا . وقتلت من الأبرياء كذا وكذا . وأن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي تقف بوجه إسرائيل وأمريكا ! واتجه بالحديث نحونا مرة أخرى فقال : أما أنتم فقد غرر بكم لتقوموا بأعمال ليست في صالح البلد ، غير أن الإبن إذا أخطأ في حق أسرته فإنها تعاقبه ولكنها لا تتخلى عنه .. ولذلك فأنتم الآن تقضون فترة عقاب ، لكنكم ستخرجون بعدها وتحل الأمور .

وانتهت المحاضرة كما بدأت حافلة بالغموض والغرابة . وأخذت التساؤلات والتحليلات والتكهنات تتوالى . لكن شعوراً واحداً غمرنا جميعاً يوحي بأن ثمة تطورات جديدة في الأفق . ولم تلبث الأمور أن أخذت تتسارع لتتكشف على حقيقتها بعد حين .

كذلك طرأ على حال السجن تغيير جدير بالتسجيل وقتها . فلأول مرة وبعد هذا الصمت المطبق طوال الأعوام السابقة فوجئنا بالميكروفونات تنقل لنا بث إذاعة دمشق على الهواء مباشرة 12 ساعة في اليوم . فكانت لنا نافذة نتابع من خلالها أخبار العالم خارج الأسوار ، ومنفساً نخرج منه عن اعتيادية حياتنا القهرية بعض الشيء . وبالطبع فلم يكن مسموحاً لنا من قبل ولا من بعد أن ندخل جهاز راديو إلى مهاجعنا ولا أن نستخدم الورق والأقلام أو الكتب .. وأما المصاحف فكانت كما ذكرت واستمرت إحدى أكبر الممنوعات !


ذيل الثعبان !
غير أن هذه التطورات كلها كانت تخفي وراء وجهها المليح مؤامرة خسيسة .. كان المقدم فيصل الغانم رأسها المدبر وعرابها الخبيث . وكان أبو عوض من جانبنا أداتها القذرة وذيل الثعبان الذي يتحرك لمصلحة الرأس الخبيث بكل خسة ولؤم . ولم تمض مدة من الزمن حتى تبين لنا كيف أن الغانم هذا قد نظم خارج أسوار السجن شبكة من مصاصي الدماء ترأستها أمه نفسها التي كانت تتولى تنظيم زيارات لنخبة من أهالي المعتقلين الموسرين للإجتماع بأبنائهم في سجن تدمر مقابل مبالغ طائلة من المال . لكن ذلك لم يكن يشبع جشع الرجل ، وكان ينظر إلى الأموال التي يأتي الأهالي بها لأبنائهم المعتقلين عساها تدفع عنهم بعض الشر أو المعاناة .. فيراها غنائم مغرية يسيل لها لعابه . ولذلك وحتى يضمن الغنيمة كلها أنشأ شبكة ثانية من العملاء والأجراء داخل السجن مهمتها امتصاص تلك الأموال بطريقة أخرى . كان أبو عوض مخلبها القذر بيننا .. فعرف عن طريقه احتياجاتنا ورغباتنا وحالتنا .. وفي سبيل ذلك كانت خطبته العصماء تلك ، وكانت سلسلة القرارات الإستثنائية التي أحاطت بها .

وهكذا اتجهت الحال بعمومها نحو تغير نسبي . فبات التعذيب نوعياً بدل أن يصيبنا في كل غدوة وروحة . وصار الشرطة يسمحون لنا بالخروج إلى التنفس مفتوحي الأعين نتنعم بالشمس من غير ضرب كثير ولا تعذيب . ثم لا يلبثوا وأن يقوموا بين كل أسبوع وآخر بتعويض السجن كله بحفل شديد مفاجىء من التعذيب ، بحيث يبقى الكل منضبطين يحسبون للحفل القادم ألف حساب . وأما المحاكمات والإعدامات فلم تتأثر بكل هذا الذي يجري ، وظل شبح الموت مخيماً علينا يتخطف الزهرات من بيننا ويطبق على أعناق الشباب الغر ونحن لا نملك في رد ذلك حولاً ولا قوة .


آخر الأنفاس !
وفي ليلة من تلك الليالي كنت أنام بجانب الأخ مأمون الذهبي . وكان المسكين قد أصيب بالمرض فتدهورت صحته بشكل متسارع ومريع . حتى بات وهو الذي كان لاعب كراتيه مفتول العضلات قوي البنية لا يقدر على مغادرة فراشه . ليلتها وفي ساعة متأخرة نام كل من في المهجع ونمت معهم ، مد مأمون يده الواهنة نحوي وجعل يهزني حتى استيقظت . فلما سألته ما به قال لي رحمه الله :

صدري يؤلمني .. اقرأ لي عليه .

فوضعت راحتي على صدره وجعلت أقرأ من الآيات والأدعية المأثورة . حتى إذا سكن وخلته نام عدت إلى النوم من جديد . فلما دنا الصباح صاح فينا أبو عوض كعادته :

الكل استيقاظ .

فقمنا كلنا وبقي مأمون في مكانه تغطي وجهه البطانية ولا يتحرك . فناداني أبو عوض لأوقظه ، فناديته فلم يرد . قال أبو عوض على مشهد من الجميع :

اخبطه برجلك ليفيق .

فكشفت عن وجهه وناديته لينهض . فلما حدقت وجدته قد فارق الحياة . قلت وأنا أكاد أحس آخر أنفاسه لا تزال تتسارع على راحتى :

هذا مات يا زلمه !

فلم يهتز لأبي عوض شعرة ، ولم يزد عن أن مضى ليخبر الشرطة بحالة وفاة جديدة في مهجعه . وهرعت أنا فسحبت مأمون بمساعدة الإخوة فأدخلناه الحمام وغسلناه . ولم يلبث "البلدية" أن حضروا فأخذوه ومضوا .

مملكة الوهم !
ونمت مملكة أبي عوض الواهية .. فخصصت له إدارة السجن مكاناً يديره كمتجر أو دكان بقالة كان يبيع فيه السجناء الشاي والخضار والفاكهة والإحتياجات الرئيسية التي كانوا محرومين من معظمها ويقبض على ذلك أفحش الأثمان ! وفي نفس الوقت كان فيصل الغانم يترصد الزوار فيخضعهم كالعادة للتفتيش . فإذا أرادوا أن يعطوا أبناءهم مبلغاً من المال كان له نصيب مباشر فيه . وإذا أحضروا لهم ملابس أو حاجيات أجاز دخول بعضها وصادر بعضها الآخر بحجة أو بأخرى . فيحمل أبو عوض الأشياء التي صودرت ويدور بها على المهاجع ويبيعها للمساجين أيضاً . وهكذا تصب كل الأموال التي أحضرها الزوار المساكين في جيب مدير السجن وشركاه . ولم تكن بيدنا حيلة لوقف هذا الإستغلال المكشوف . وكنا نشتري أغراضنا المسروقة من غير تردد . ففي حالنا البئيس ذاك كنا بحاجة لأي لقمة طعام نتقوى بها أو قطعة ملابس تقينا الحاجة والبرد وتخفف عنا ولو بعض تلك المعاناة .

وهكذا اغتنمنا جشع أبي عوض وحالة الرخاء الظاهر تلك ، فأقبلنا ابتداء على توثيق علاقاتنا داخل المهجع أكثر وقد أمنا مداهمات الشرطة من فوق الشراقة إلى حد ما . وصرنا نتعرف على أحوال بعضنا البعض ، ونتبادل الحكايا والخبرات والمعلومات . ونضاعف همتنا لحفظ سور القرآن الكريم وآياته . وفي هذا السياق صرنا نُخَرِّج حفظة كتاب الله مجموعة إثر مجموعة ، ونعد لذلك حفلاً كبيراً نوفر له من الطعام أو الحلوى التي تصلنا من الزيارات أو من مخصصاتنا اليومية طوال أسبوع أو اثنين . فينال أبو عوض حصة الأسد منه ليسكت عنا ويأذن لنا ، ونوزع البقية علينا احتفالاً بالإخوة الحفظة وتكريماً لهم .



سماح !
كذلك استفدنا من ظرفنا الإستثنائي ذاك فصرنا نشتري من بضائع أبي عوض المسروقة أشياء ما ونرسلها مع رسالة مختصرة إلى إخوة أعزاء في مهاجع أخرى . وكنا نتلقى بنفس الأسلوب ردودهم وهداياهم . وعن هذا الطريق صار الإخوة يتأكدون من وجود فلان أو إعدامه . وعن نفس الطريق وصلني إلى مهجع السل أواخر عام 1983 إبريق شاي من أبي الفضل الذي انتقل إلى مهجع آخر بعد مدة يلمح لي به أنه حكم بالإعدام . وكان قد كتب لي على الإبريق يقول : إلى محمد سليم .. محمد جمال سماح . فعلمت أنه يطلب المسامحة لأنه راحل عما قريب . وبالفعل فلم تمض بضعة أسابيع حتى بلغنا أنه أعدم رحمه الله .

وفي المقابل كان أبو عوض ينتفخ وينتشي بالوهم وبعض سقط المتاع . ولقد سمعنا أنه طلب من المساعد أن يسمح لأهله بزيارته مرة فسمح لهم . وتردد أنه هرّب مع أخيه الذي زاره نقوداً من تلك التي جمعها من تجارة الحرام التي امتهنها ، لكن علم ذلك عند الله . وأما ما علمناه نحن ورأيناه فكان آية من آيات الله بالفعل . فلم تمض على هذه المظالم مدة من زمن حتى رأينا الدائرة تدور على أبي عوض ، وينتقم الله من أفعاله الشنيعة شر انتقام . وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً بإذن الله .


الحزبية الإقليمية !

لم تكن حياتنا في السجن ملائكية أو مثالية . فبينما كنا أيام الشدة نزداد قرباً إلى الله وتجرداً وتلاحماً كنا إذا طال علينا العهد نرتد إلى أصولنا وخلفياتنا ومشاربنا الشتى . وبعد أن مضت هذي السنون علينا يضمنا مهجع موحش باطنه عذاب وظاهره أشد وأنكى . ومع اختلاط الإنتماءات وتعدد المشارب بدأت تظهر بيننا في فترة الإنفراج النسبي تلك اختلافاتنا المذهبية والتنظيمية والإقليمية معاً !

ولقد ظهر ذلك أول ما ظهر حينما استطعنا أن ننظم بعض الدروس الهادئة إذا سنحت الظروف وأمنا الحرس من فوقنا ومن حولنا . فوجدنا الإخوة لم يلبثوا أن أخذوا يتكتلون فرقاً وجماعات تتجادل في البداية حول قضايا المذهبية واللامذهبية .. والإتباع والإبتداع .. وما يندرج تحت هذا الباب من جدل أنهك الأمة قروناً ولم ينته لصالح أحد ! حتى أن الإخوة صاروا يختلفون على الأذان الذي يبلغنا من وراء أسوار السجن قادماً من منارة مسجد مدينة تدمر . وكان وجه الخلاف حول مشروعية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام جهراً في خاتمة الأذان !

وسرعان ما أخذ الخلاف الذي استشرى مأخذ الحزبية التنظيمية . وطفت على السطح اختلافات تنظيم الإخوان التاريخية بين دمشق وحلب . أو بين جماعة الأستاذ عصام العطار وجماعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة . واستطاع الإخوة الحلبيون وفق ما رأيت أن يجرّوا الدمشقيين من دائرة الإختلاف التنظيمي إلى دوامة الخلاف المذهبي . وأشاعوا بيننا أن الدمشقيين سلفيون لا مذهبيين . وانعكست هذه الصراعات المقيتة على السجناء كلهم فآذتهم وأرقتهم . وآذت أكثر ما آذت الحياديين وغير المنظمين أصلاً . ورأى هؤلاء في هذا الخلاف أسوأ صورة للجماعات والتنظيمات الإسلامية كلها . ورأيتنا نعود بجدليات الطرفين المتعصبين إلى القرون الوسطى ونتفرق في قضايا لا يبنى عليها عمل أساساً .

وتطور الأمر بسرعة .. أو فقل ارتد الناس إلى خلفياتهم وتشوهاتهم التي أتوا منها ! فبعد أن انتقل الخلاف من الفكر والمذهبية إلى الحزبية التنظيمية انتهى الأمر بسقوط الأطراف جميعاً في وحل الإقليمية الضيقة ! فتكتل السلفيون الموالون للأستاذ عصام في تكتل دمشقي . وأخذ المذهبيون الحلبيون الموالون للشيخ عبد الفتاح طرفهم الإقليمي . واستغل الحمويون التابعون للأستاذ عدنان سعد الدين القضية ليجمعوا الحمويين في كتلة ثالثة ! وانعكس ذلك على المهجع أسوأ انعكاس . وتفرقت القلوب شتى . وانعزلت كل كتلة في دائرة مغلقة تجاور الدائرة الأخرى والثالثة ولا تتداخل معها .. رغم أن المحنة لم تكن تفرق بين أي من هذه الكتل وأصحابها .

ولم تلبث أن تعقدت الأمور أكثر حينما نشأ تيار تكفيري فيما بعد نتيجة هذه الضغوط وتلك الفتن معاً ، فازداد الطين بلة .. واشتد التعصب والتعنت .. وامتدت أحكام التكفير لا لتشمل النظام وأركانه وأعوانه وحسب ، بل كل من لم يلتزم بالفكر التكفيري وقيادته ومنهجه !


السل
كانت أبدان السجناء قد أنهكت إلى أبعد الحدود بعد سنين من العذاب المستمر والجوع والحرمان والعيش في أسوأ الظروف الصحية والنفسية . وعلى الرغم من هذا الإنفراج الظاهر الذي حدث إلا أن الوقت كان قد فات . وبدأ عدد الضحايا يرتفع من جديد .. وتزايدت حالات الوفاة المرضية والإصابات المزمنة ، حتى مات من مهجعنا وحده قرابة الأربعة عشر أخاً لم ندر إلا بعد أن قضوا رحمهم الله أن الذي أصابهم حقيقة الأمر كان مرض السل . وعندما تطورت معرفتنا بهذا المرض الخبيث ووجدنا من يفقهنا في أعراضه وأشكاله علمنا أنه لا يصيب الرئة وحسب ، وإنما هناك سل يصيب الأمعاء وسل بالكلى وثالث بالعظام ورابع وخامس . ولم يكن في مهجعنا حتى تلك الفترة الطبيب المتخصص الذي يقدر على تشخيص الداء ، مثلما لم يكن لدينا العلاج المطلوب حتى إذا علمنا به واكتشفناه .

وواقع الأمر فإن مرض السل تم اكتشافه منذ عام 1982 في المهجع 5-6 بالباحة الأولى . وهو واحد من أقدم مهاجع سجن تدمر . كبير المساحة مظلم الجنبات شديد الرطوبة . ولقد قدر أن يكون أحد نزلائه الطبيب محمود العابد من حماة ، الذي كان أحد أطباء قسم الأمراض الصدرية في إحدى مستشفيات حلب . لكن الإخوة وقتها ومن خوفهم من بطش الشرطة وإحساسهم بانعدام التجاوب أو الإهتمام لم يبلّغوا عن المرض . فلما لاحظت إدارة السجن ازدياد الوفيات وتوافق ذلك مع حالة الإنفراج العامة تلك فتحوا للمسلولين مهجعاً خاصاً في الباحة الرابعة هو المهجع 23 .

ونعود إلى مهجعنا 26 الذي بات الآن في عهد ولاية أبي عوض القسرية عليه أحد مهاجع السجن الخاصة إن لم يكن أخصها جميعاً . وأما السبب فكان - كما ذكرت - اتفاق إدارة السجن مع أبي عوض على تحويل السجناء الموسرين وأصحاب الزيارات والواسطات إلى مهجعنا ليكونوا تحت عينه ورقابته الدائمة .. وتكون الزيارات والنقود التي يرسلها أهاليهم المساكين أدنى إلى جيب أبي عوض وأسياده من جيوب أصحابها أنفسهم !

وفي هذا السياق وضمن عمليات النقل والتحويل جاء إلى مهجعنا مجموعة من الإخوة الدمشقيين أذكر منهم محمد الحوراني ، وسليم الأسد ، وعدنان المؤيد ، وأخ من بيت دبش وغيرهم . وكان سليم الأسد طبيباً من دمشق نقل من مهجع 5-6 بعد أن تعلم من الدكتور محمود العابد هناك فحص المسلولين وتشخيص إصابتهم . ونقل لنا وقتها نبأ اكتشاف إصابات سلية بين السجناء . وأخبرنا عن تخصيص مهجع 23 للمسلولين ، وأن أخاً آخر هو زاهي عبادي من دير الزور والذي كان في سنته الرابعة بكلية الطب تطوع للذهاب إلى نفس المهجع والإشراف على إخوانه المسلولين ، ثم لم يلبث رحمه الله أن أصيب نفسه بالمرض عن طريق العدوى .

وفي يوم من الأيام كنا في التنفس أنا والأخ صبحي بركات أحد أفراد مجموعتي ففوجئت به يستند إلى ذراعي بادي الإجهاد ، وقال لي وهو لا يقوى على إخراج الكلمات أنه يحس بالغثيان وبالدوار ولا يقوى على الحركة . فطلبنا له من الرقيب إذناً بدخول المهجع . وهناك لم يلبث الأخ صبحي أن تقيأ وسقط محلول القوى . وعندما عدنا من التنفس فحصه الأخ سليم فتبين له أنه السل . وعندما حضر الشرطة وأخبرناهم أسرعوا ونقلوه إلى المهجع 35 في الباحة السابعة والذي خصص بدوره في تلك الفترة للمسلولين بعدما ضاق بهم مهجع 23 .

ومر شهر آخر وإذ بي أجدني أعاني من الأعراض نفسها : ارتفاع في الحرارة ، وقلة شهية للطعام .. وسعال وتعرق وإجهاد متزايد . وبعد أسبوع من المعاناة فحصني الأخ الطبيب سليم أسد فوجدني أصبت بالسل أيضاً . وعندما أخبر إدارة السجن بذلك نقلوني بدوري إلى مهجع السل ، وكان ذلك في الشهر السادس من عام 1983 وبعد أيام قليلة من محاضرة فيصل الغانم العامة أمام السجناء .







 

رد مع اقتباس