أرجوحة الشهداء
وأقفل الجلاوزة الباب .. وساقوا الإخوة أول الأمر إلى مهجع في أقصى الباحة يسمى "الورشة" . وعلمنا من بعد أن سليمان الخطيب يأتي بنفسه ليتأكد من الأسماء والأشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم ، ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن الذي كنا نحس بقدومه من صوت المساعد يقدمه بالازمة المعتادة قائلاً :
است.....رح .. استع......د . الباحة جاهزة للتفتيش سيدي اللواء أو سيدي العقيد .
وبعد هذا الإجراء يبدأ الشرطة بسوق الإخوة إلى المشانق تباعاً . وعندما بدأ ذلك هرعت من فوري إلى شق صغير في باب مهجعنا فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة .. والإخوة الآن وقد باتوا على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون .. ويساق أحدهم بعد الآخر مغمض العينين مكبل اليدين إلى المشنقة التي انتصبت على قوائمها الثلاث .. يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلاستيكية .. يخالف في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسط الشروط التي يفترض أن تتوفر في مشنقة الإعدام المخصصة للمجرمين ! ورغم ذلك يؤمر الأخ بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه ، وعن جانبيه اثنان من "البلدية" ينتظران الإيعاز من الشرطي الذي يقف في مقابل الأخ . فإذا أشار إليهما تناولا حبل المشنقة فطوقا به رقبة السجين .. ثم تأخرا إلى الوراء فأمسكا بقائمة المشنقة . ولا يلبث الشرطي أن يصدر الإيعاز الأخير .. فيشد "البلدية" الخشبة .. وتنتصب المشنقة .. فيرتفع الأخ في الهواء بلمحة عين .. ويشهق شهقته الأخيرة وتزهق روحه خلال لحظات . فإذا بدت منه حركة تدل على احتمال استمرار الحياة فيه تقدم عنصرا "البلدية" ثانية فجذبا الأخ وتعلقا به حتى يشتد إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى .
ولا يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقدم فيجس النبض ، ويتأكد من الوفاة .. فتعاد المشنقة إلى وضعها ، ويفك الحبل عن رقبة الشهيد .. ويرمي به القتلة جانباً بدم بارد ، فيما يعد الشرطة الأخ التالي للإعدام . حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث ، دخلت الساحة شاحنة عسكرية ، وتقدم "البلدية" فحملوا أجساد الإخوة واحداً بعد الآخر وقذفوهم فيها .. لتمضي إلى حيث لا يعرف بمصيرهم أحد إلا الله . وفي هذه الدفعة قدرت أن أكثر من خمسين أخاً قضوا نحبهم .. نحتسبهم في عداد الشهداء الأبرار إن شاء الله .
العزاء
غادر الإخوة إلى لقاء الله ، وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة من الكآبة خانقة ، والناس وكأن على رؤوسهم الطير .. ليس لنا إلا العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم .. والتضرع إلى الله نرسله خافتاً مرتعشاً مع الزفرات .
وغاص كل منا في خواطر شتى .. فهؤلاء الذين كنا نأكل معهم قبل ليلة خلت .. ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة . هؤلاء الذين كنا وإياهم في سباق على حفظ كتاب الله .. نسمع منهم أو يسمعوا لنا . وربما كان واحدهم قد بات ليلته الأخيرة بجانبنا ، أو أرسل آخر ابتسامة له من وجهه الطلق وغادر وتركنا . هؤلاء الذين نمت بيننا العلاقة عن غير سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها .. شهرين أو ثلاثة نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معاً .. فكنا على قصر الأيام أكثر من إخوة وألصق من أشقاء . هؤلاء جميعاً خرجوا من بيننا ولن يعودوا أبداً . وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين .
وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعاً ، ونبدأ نسترجع شريط حياتنا نحن الذين لا نزال أحياء . من طفولتنا البريئة .. إلى شبابنا الذي ما أن بدأ يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غير ما إنذار . ويتجه الحوار في ذواتنا إلى المستقبل الآتي .. وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي لم تُحَلَّ حبالها بعد ! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشوق .. واللوعة بالخوف .. والإحباط بالرجاء . ولا نجد في خاتمة المطاف ما نعزي به أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف من هول المصيبة علينا إلا الإلتجاء إلى الرحمن الرحيم ، والرجاء بأن يكون ذلك في سبيله فيقبلنا في الآخرة ويعفو عنا .
مع كتاب الله
وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعلا أنيسنا وبلسم جروحنا ننكب عليه ونلتجىء إليه . ولقد أكرمنا سبحانه بعد أسابيع لم تطل بأخ حافظ لكتاب الله قدم إلينا مع حوالي خمسة عشر أخاً من دمشق كلهم من جماعة مسجد زيد بن ثابت . والأخ الحافظ اسمه محمد صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق . فكان سرورنا به أكبر من أن يوصف . وأقبلنا نتلقى منه السور والآيات ونحفظها . وكنت أنا والأخ هيثم عثمان برغم إصابته الشديدة نحفظ معاً .. ونراجع ما حفظنا باستمرار .. حتى بات كتاب الله شغلنا الشاغل . ومن شدة همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة الأنعام كلها في أربعة أيام .. وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضاً من الجزء التاسع والعشرين وحسب . فلما رأينا الإعدامات وقدرنا أن المنية قد دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلاقي به وجه ربنا . وفي عام 1982 أنهيت والأخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله . وكنا أول من ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله
مؤامرة !
ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري . وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب . ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث ، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه . ووقتها أخبرني أن ضباطاً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة . وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه . ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره . ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى . وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه ، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب .
اليوم المقدور
وانقضت شهور أخر . وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معاً . وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخاً من مهجعنا . ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جوراً وظلماً .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة .
وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه . وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام . وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شاياً وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب . فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي :
أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعباً .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر .
قلت له : هاك وتوكل على الله .
ووالله الذي لا إله إلا هو ، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا :
حسين رشيد عثمان .
حاضر .
رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان !
ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله . ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل . وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام ، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلداً ولطماً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله .
أحداث حماة
وحل عام 1982 ونحن بين أيدي الظلمة تمضي بنا الأمور من سيىء إلى أسوأ . ولم تلبث أن انفجرت الأحداث في حماة من غير أن نعلم بها بالطبع . لكننا تلقينا آثارها السلبية داخل السجن ورأينا الأهوال وقتها دون أن ندري بما يجري .
فابتداء من شهر شباط اشتد التعذيب نوعاً وكماً .. وبدأ ضحاياه يتزايدون باستمرار .. حتى أن واحدنا كان إذا حل دوره في سخرة الطعام وأراد الخروج لتناوله من باب المهجع قرأ الفاتحة ووضع في حسبانه احتمال أن تكون آخر سورة يتلوها قبل أن يموت ! وبلغتنا أنباء عدة عن إخوة قتلتهم ضربات تلك العصا الغليضة التي كانوا يهوون بها على رأس السجين مباشرة ولا يبالون . وفي نفس الفترة ارتفعت نسبة المحكوم عليهم بالإعدام حتى كادت أن تشمل 98% من كل دفعة تخرج للمحاكمة . وأصبحت الأحكام تنفذ كل يومين بعد أن كانت من قبل ثلاث مرات في الشهر على الأغلب . ووقتها كان إعدام أبي رشيد ودفعته رحمهم الله .
احتياطات !
وذات يوم ، وفي دفعة من دفعات الإعدام تلك ، طلب الزبانية أخاً من مهجعنا 26 للإعدام اسمه عبد الكريم غانم من الزبداني كان طالباً في كلية الهندسة بدمشق . فلما سمعنا الخبر اندفعنا نودع الأخ وقد تفجرت من مآقينا الدموع . فوجدناه رحمه الله يقف في وجوهنا شامخاً راضياً يقول لنا :
علام تبكون ؟ ابكوا على حالكم أنتم .. أما أنا فخلاص ارتحت من هذا العذاب .
ومما هو جدير بالتسجيل هنا أنه وأثناء هذه الموجة الطاغية من العنف والإجرام بلغنا ذات مرة أنهم أخرجوا دفعة من السجناء للإعدام فتمكن أحد الإخوة من بينهم من الإفلات ، وقام بضرب الجلادين ما وسعه الجهد قبل أن يطبقوا عليه ويعيدونه إلى حبل المشنقة . وبعد الحادثة اقتحموا كل المهاجع وأذاقونا كلنا قتلة من أشد ما رأينا خوفاً من أن تولد حادثة الأخ فينا نوعاً من أحاسيس التمرد والعصيان . ومن وقتها بدأ الشرطة يأخذون احتياطات أشد أثناء الإعدامات .
العميل !
تم اعتقالي مثلما ذكرت في البداية في الشهر العاشر من عام 1980 بعد أن انتقلت صلتي من أبي الفرج إلى يحيى الشامي . ورغم التعذيب الفظيع الذي نلته في أقبية المخابرات العسكرية فإن الله ثبتني ولم أعترف على يحيى أو أي شخص آخر . لكنني فوجئت مع اشتداد موجات القتل والتعذيب في الشهر الثاني من عام 1982 بخبر استشهاد يحيى في سجن تدمر . ثم لم تلبث الأقدار أن جمعتني مع إخوة من هنا وهناك التقوا يحيى في مراحل محنته المختلفة وعرفوا قصته .
ولقد تم اعتقال يحيى ابتداء بعد اعتقالي بزمن غير طويل . وكان ذلك حينما حضر يحيى إلى موعد مع شخص يسمى عبد الكريم رجب كان طالباً من حماة يدرس الطب في دمشق تمكنت أجهزة الأمن من تجنيده لصالحها واستفادت من علاقته مع شباب الإخوان ومعرفته بالكثير منهم أيما فائدة . ولا أزال أذكر كيف كان عبد الكريم هذا يحوم حولنا بشكل دائم من خلال معرفته بإخوة آخرين ، ويكثر من الأسئلة والإستفسارات بسبب ومن غير سبب . ولقد أوقع هذا العميل كما تأكد لي عدداً كبيراً من الإخوة بالفعل ، وتمكن من كشف العديد من قواعد المجاهدين في دمشق خاصة . وكان نشاطه في قمته بين صفوف الإخوة الذين توافدوا من خارج سورية إلى دمشق لتشكيل التنظيم الوليد الذي كان أبو الفرج أبرز قادته .
وهكذا وجد يحيى نفسه وسط عناصر المخابرات يطبقون عليه وعلى عبد الكريم عند المسجد الأموي ويقتادونهما إلى فرع التحقيق العسكري ، ليقاد يحيى منه إلى تدمر بعد انتهاء التحقيق معه ، وأطلق سراح عبد الكريم رجب ليستكمل مهمته التخريبية بين أفراد التنظيم .
ولقد بلغنا لاحقاً أن المجاهدين في حماة تمكنوا من كشف عبد الكريم واستدراجه إلى كمين محكم ، فاعتقلوه وحققوا معه وأخذوا منه اعترافات كاملة . وتم اعدامه بعد ذلك جزاء خيانته .
ولم ألتق يحيى في تدمر من بعد . لكنني التقيت من عاصره وعاش في المهجع معه . وبلغني أنهم في يوم من أيام شهر شباط عام 82 حينما كانت أحداث حماة في ذروتها استدعوا يحيى إلى الذاتية للتحقيق معه ، وطلب المحقق القادم من فرع التحقيق من يحيى أسماء محددة ومعلومات لم تكن لديهم . فأبي يحيى ورفض . فأمر المحقق بالدولاب أن يُحْضِرَ وأنزلوا يحيى فيه وانهالوا عليه ضرباً وقتلاً في باحة الذاتية ثم توقفوا . فلما سأله المحقق عن الأسماء والمعلومات أصر على الإنكار . فأمر بتجريده من ثيابه إلا الشورت وأعاده إلى الدولاب . وعاد الضرب الوحشي ينهال عليه حتى أن واحداً من أظفاره طار من قدمه ووقع قريباً من سجين آخر كان ينتظر دوره في التحقيق في الباحة ذاتها . ولقد التقيت هذا الأخ وهو لا يزال يحتفظ بالظفر معه !
واشتد الضرب وانهالت الخيزرانات والعصي على قدمي يحيى وبقية جسده حتى أغمي عليه . فأمر المحقق الزبانية أن يشنقوه . ولم تكن المشانق جاهزة يومها ، فسحبوه حتى وصلوا به أمام باب مهجع 5-6 وقام الرقيب فيصل كحيلة والشرطيان سمير كوشري وشحادة - حسبما وردنا من شهود عيان - فلفوا حبلاً حول رقبة الأخ يحيى وشدوه بين أيديهم وهو لا يزال رحمه الله مغمى عليه حتى أزهقوا روحه !
مفاجأة !
ومما لا أزال أذكر من قصص الإعدامات المؤثرة - وأياً منها لا يؤثر في صم الحجر ! - قصة طبيب أسنان من حلب من بيت قره علي كان معتقلاً مع عديله . ولقد تم الإفراج عن هذا الأخير بعد واسطات شديدة كما يبدو ، وبقي الأول ينتظر ويرجو .
وفي صبيحة يوم من تلك الأيام التعسة نودي اسم الأخ فظن أن إذْنَ إخلاء سبيله قد تم . وأنه سيغادر الآن للقاء أهله من جديد . وكان المسكين يرتدي حين اعتقاله طقماً سارع حينما سمع اسمه فارتداه . وأخرج ساعته الذهبية فارتداها أيضاً . وجعل ينفض عن كتفيه الغبار ويحاول أن يمشط شعره ويحسن من هيأته وكل الظن أنه خارج إلى الحرية الآن . فلما خرج كانت المشنقة في انتظاره حقيقة الأمر . وكانت صدمة لنا جميعاً بقيت تؤرقنا ردحاً من الزمان .
الجرب
وطالت المحنة كل أوجه هذه الحياة المرّة . فمع ازدياد العذاب والإعدامات انخفضت كمية الطعام المقررة للسجناء رغم أنها لم تكن تكفي لتقيتنا بالأصل . وصارت إدارة السجن تتعمد قطع الماء عنا حتى أننا عانينا خلال صيف ذلك العام شهراً كاملاً من غير ماء . وكان موردنا الوحيد عن طريق بيدونات يملؤها الشرطة لنا وقتما شاؤوا وبالعدد الذي يريدون . وقتذاك عمت القذارة المهاجع غصباً عنا وباتت رائحتها لا تطاق . ولم يلبث أن تفشى الجرب بيننا وانتشر انتشاراً كبيراً كنت أنا نفسي واحداً من ضحاياه .
والجرب كما هو معلوم مرض جلدي يصيب الإنسان بحكة شديد في جلده سرعان ما تؤدي إلى تورمه وتقيحه .. وليس هناك مكاناً محدداً يكتفي به هذا الداء . فمن الممكن أن يصيب الرجلين واليدين والصدر والظهر والمحاشم ذاتها . وعلاوة على الألم الشديد الذي يسببه الجرب فإن انتقاله بين الناس المتجاورين أمر محتم . ولو لم يعالج المصاب فقد يموت من المرض . ولقد حدث ذلك في مهجعنا 26 الذي انتشر الجرب فيه مثلما انتشر ببقية المهاجع . ولا أزال أذكر كيف دهم هذا المرض أخاً من دير الزور اسمه عبد الكريم الصالح ، فالتهب جلده كله وانتفخ ، وظل يعاني قرابة الشهر يصيح من شدة الألم وليس بيدنا شيء نقدمه لنخفف عنه إلا الدعاء . وعندما أبلغ رئيس المهجع الشرطة بحاله وكرر عليهم البلاغ لم يزيدوا عن أن أمروه أن يكف عن الشكوى وأن يتركه في المهجع ليموت !
لكن تزايد الإصابات وانتشار المرض في المهاجع الأخرى جعل إدارة السجن بعد حين تتنازل وتحضر للمصابين دواء الجرب . وتم تعيين مسؤول صحي لكل مهجع من السجناء أنفسهم تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية إلى طبيب السجن حتى لا يضطر ذاك إلى فحص المرضى بنفسه والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم ! وفي هذا السياق عُيِّنَ الأخ الطبيب قاسم موسى مسؤولاً صحياً لمهجعنا . ثم لما تزايدت الحالات أكثر فتحوا للمصابين مهجعاً خاصاً كما حدث أيام الكوليرا ، لا رحمة بهم بالتأكيد وإنما خشية أن تنتقل العدوى إليهم . ورغم ذلك فقد مات بسبب الجرب من مهجعنا وبقية المهاجع الأخرى عدد غير قليل من الإخوة ، وقدر للأخ عبد الكريم الصالح أن يتعافى بالتدريج ، حتى إذا شافاه الله بعد حين أتاه النداء ، وسيق مع دفعة من دفعات الإعدام إلى الردى رحمه الله .
من سجل الضحايا
وكان الممرض وطبيب السجن قد توقفا عن الحضور للمهجع قرابة الخمسة أشهر خلال أحداث حماة وبعدها ، مما ضاعف الإصابات وأسرع في انتشار الجرب . وانتشرت معه أمراض أخرى لم نستطع أن نعرف أسبابها أو نوعيتها بالتحديد . فكنا نحار في أمرنا ونفعل ما بوسعنا لمساعدة المصابين . ولكم كان الإخوة يتسابقون لفداء إخوانهم المرضى من أي عذاب أو جهد وإيثارهم بحفنة الطعام المخصصة للواحد منهم . لكن ذلك لم يكن كافياً لوقف المرض أو إنقاذ المصابين . وقضى عدد من الإخوة نَحْبَهُم فريسة الأمراض والأوبئة فبلغوا قرابة الستة عشر ، لا زلت أذكر منهم كمال أندورة ومأمون الذهبي من دمشق . وهشام مجندف وبسام الهاشمي وسامي وحود من حمص .
وكان أول من مات بين أولئك جميعاً معتقل من قرية صوران قرب حماة اسمه عبد العزيز عوض السالم . أصابه السل كما يبدو حتى أصبح يبصق الدم . وعندما أخبر رئيس المهجع أبو الفضل الرقيب أن لدينا مريضاً في حالة خطرة أجابه بالحرف الواحد :
ولا .. بس يموت دق الباب !
وبعد شهرين من المعاناة وبعد ظهر أحد الأيام إتكأ الأخ على صدر شقيق له كان سجيناً أيضاً وأخذ يذكر الله ويردد الشهادتين حتى لفظ آخر أنفاسه رحمه الله . فلما تأكدنا من وفاته طلب شقيقه من الحضور أن يغسلوه قبل أن نخبر الشرطة بالأمر . لكن الإخوة خافوا أن تصيبهم العدوى أو أن تنزل بهم من الشرطة بلوى . فلما لم يتقدم أحد رأيت أن الأمر لا بد وأن يحسم . وتوكلت على الله وتقدمت . وأدخلته الحمام وغسلته وحدي . ومن يومها تعلم الإخوة علي وأوكلوا إلي هذه المهمة ما دمت فيهم . فغسلت كل الذين ماتوا من بعد ذلك في المهجع . بعدها قرع أبو الفضل الباب وأخبرهم بوفاة الأخ . فلم يزيدوا عن أن طلبوا منه أن يخرجه إلى الخارج . فتعاونت معه وحملناه ، وعدت أنا وبقي أبو الفضل لبرهة . وعندما عاد أخبرنا أنهم أرادوا أن يتأكدوا من موته فتقدم أحدهم منه وركله بقدمه وحسب .. وجاء "البلدية" فأخذوه ومضوا !
سحور !
ومضت الأيام .. وازدادت الأمراض وكثرت الوفيات .. حتى كنا نخرج في فترة من الفترات ميتاً من مهجعنا كل يوم ! ولا زلت أذكر أنني كنت أنام بجانب الأخ كمال أندورة في ليلة من تلك الليالي الرهيبة ، وكنت قد نويت صيام اليوم التالي ، فنهضت قبيل الفجر لأتسحر . وكان كمال بعد أن اشتد عليه المرض في الفترة الأخيرة لا يستطيع النوم مستلقياً وإلا اختنق . فكان يتربع في مكانه ويستند رحمه الله إلى الجدار ويظل يكابد طوال الليل ويتأوه ويعاني . فلما نهضت لأتسحر وجدته ساكتاً على غير عادته . فجعلت أناديه بصوت خافت . فلما لم يجبني وارتبت في الأمر دفعته براحتي ، فوجدته يسقط ميتاً على الطرف الآخر .
ولم يكن وارداً وقتها أن أقوم بأي حركة تكشفني أمام الشرطة على سطح المهجع ، فسحبت البطانية على وجهه بكل هدوء ، والتفت فسحبت صندويشة كنت قد وفرتها من عشاء الأمس لتكون سحوراً لي ليلتها ، فجعلت أدس اللقيمات في فمي دساً وأغص بهن ، والأخ بجانبي مسجى لا روح فيه ! وعندما استيقظنا صباحاً ومضينا لنغسله قبل أن يعلم الشرطة بموته وجدناه رحمه الله تخشب جسده وقد مضت على وفاته بضع ساعات . حتى إذا انتهينا بعد جهد يكلله الرعب أخبرناهم بموته . فلم يزيدوا عن أن نادوا "البلدية" ليسحبوه .. وانتهى الأمر !
سُنّة طيبة !
ومما لا ينسى من مشاهد الأمراض والأوبئة التي دهمتنا قصة أخ من حمص اسمه عبد المعز العجمي . أصابه مرض اليرقان الكبدي عام 1982 وأشرف على الموت بسببه . وجعل الأخ أبو الفضل رحمه الله يجهد نفسه ويجهدنا في توفير كمية من الطعام له من نصيبنا . وكان رحمه الله أول من سن هذه السنة الطيبة في إيثار المرضى على شدة حاجتنا وضآلة نصيبنا من الطعام . وجعلنا ندعو لأخ ونسأل الله له الشفاء . وسبحان من استجاب ومنّ على الأخ برحمته . فلم يمض شهر كنا نظن الأخ في أوله مودعاً حتى قام بيننا صحيحاً معافى . وكانت آية أخرى فيه أن طلب فيما بعد إلى الإعدام . ونال شرف الشهادة عام 1984 بعد أن نجا من الموت بسبب اليرقان .
|