عرض مشاركة واحدة
قديم 02-17-2012, 08:55 AM   #4
أحسن واحد بالعالم


الصورة الرمزية أمير الاحساس
أمير الاحساس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1034
 تاريخ التسجيل :  May 2011
 أخر زيارة : 03-13-2026 (09:12 PM)
 المشاركات : 3,838 [ + ]
 التقييم :  3893
 معدل التقييم : أمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond repute
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كلما غنيت باسم امرأة اسقطو قوميتي.
وقالوا .
كيف لايكتب شعرا للوطن؟
وهل انتي شيء اخر غير الوطن؟
لوني المفضل : Cadetblue
عدد الترشيحات : 8
عدد المواضيع المرشحة : 5
رشح عدد مرات الفوز : 4
شكراً: 210
تم شكره 555 مرة في 347 مشاركة
افتراضي



من رحمات الله
ومرت أيام أخر .. نزداد اقتراباً من بعضنا وائتلافاً بمقدار ما يزداد الهم وتتنامى المعاناة . ومع تقادم الخبرة بدأنا ندرك كيف تمضي الأمور حولنا .. وتعلمنا أن الشرطة يتعاقبون على حراسة سطح المهجع . فصرنا ننتهز فرصة انشغالهم بالإستلام والتسليم لنتحدث بحرية أكثر أو نتحرك من غير خوف . ومع اعتياد المكان والحال بدأنا ومن نعمة الله علينا نسمع صوت الأذان الآتي من مدينة تدمر المجاورة . فلم يكن من أنيس لنا مثله أبداً . وكأنما أحس الزبانية بأثر هذه النعمة علينا ، فكان بعضهم إذا ارتفع الأذان علانا وأطل علينا من الشراقة وجعل يتبع كل تكبيرة بكلمة الكفر .. وكل تهليلة بمسبة فاحشة واستهزاء بالله تعالى . وكنا علاوة على الأذان تبلغنا حتى أصوات السيارات العابرة على الطريق في بعض الأحيان .. فنغتم من ذلك ونتحسر .. لا نتخيل كيف تسير الحياة طبيعية على بعد خطوات منا ونحن في هذا الجحيم لا يدري منهم بحالنا أحد !

ولقد كان من رحمات الله بنا أن أحضروا لنا في بدايات الأسبوع الثاني ممرضاً مجنداً طاف على المهاجع وسجل احتياجاتنا الضرورية من العلاجات . ووجدناه يحضر لنا بالفعل بعض ما طلبنا .. وكان أكثر ماكنا نريد مراهم الجروح والإلتهابات .. فمن بين هذا الجمع من البؤساء كان ثمة من هو في أمس الحاجة لها قبل أن يصل هذا المكان .. مثلما كانت الحاجة إلى العلاجات متجددة على الدوام لدوام الضرب الوحشي والتعذيب والتشنيع

جروح وقروح
ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سوءاً في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما ذكرت . وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في يده . وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصاباً بالرصاص أيضاً في رجله . وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك . وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء ! وكان أمراً عجيباً أن ظلا على قيد الحياة فعلاً . فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك . وتقطعت كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك . ونمت العظام من جديد والتأمت بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي . ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران على السير مطلقاً . وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة . ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من الرقيب . فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملاً . وظل المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984 .

كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت . وكان رحمه الله دائم الإستلقاء منعدم الراحة . ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي .. حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982 .

وأما بقية الإخوة ، ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف ، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف ، وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور . وزاد علينا القمل الذي حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر ، فانتشر في المهجع وتفشى بين الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلاء !

كعبة الزبانية !
وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يوماً بعد يوم . وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام . وجعل الإخوة الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين . وكان معنا عدد من المعتقلين ممن جاوزوا الستين والخامسة والستين ، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير وكلاهما من ادلب ، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة . كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من أريحا . وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان ! فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر الإمكان ، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام . فينال الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه .

وكان الأخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت ، فكان ذلك سبباً في ضبط المهجع وتقليل المشاكل مع الشرطة من جهة ، وعاملاً في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى . حتى بتنا كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضاً ، ويساند أقوانا الضعيف فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه . ولا أزال أذكر ممن كان في مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان . وأخاً آخر من حمص اسمه أمجد طيارة . والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا .

وإذا كانت الأحداث المرة وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضاً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم ما ، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة . وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك . ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما لا تحمد عقباه .


همجية التعذيب
وانقضى أسبوع آخر .. ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال . وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة . يحضرني الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب . الأول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي . وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية ، وأحمد حمزة وهذان من من مدينة الباب . وكان الأخير مدرساً . فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبراً وأربع أصابع وحسب ! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع . ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافياً ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب .

لكن وصول الإخوة الجدد كان نوعاً من التسرية المؤقتة لنا ، مثلما كان وجودنا من قبلهم عوناً لهم على تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنباً لأي مزيد من العذاب . وسرعان ما انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا . وكشفت لنا في نفس الوقت أوجهاً أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية ، وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها إخواننا في حلب . رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه لإجباره على الإعتراف السريع ، فكادت أن تقطعها ، وظل رحمه الله يتألم منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور . واستخدموا مع الآخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره شاهداً على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالباً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر بعد مدة رحمه الله .

مع كتاب الله
انقضت أحاديث التعارف وروايات المعاناة وقصص الداخل والخارج واتجهنا قدر الإمكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما يفيد . فالسجن الذي كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية لا بد وأن تنتهي ، سواء بانتهاء الحياة أو بالفرج . وليس ثمة شيء نتزود منه أجلّ من كتاب الله تعالى . ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر من القرآن الكريم ، حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الأجل كان آخر عهدنا في هذه الدنيا مع كتابه الكريم . وسرعان ما نشأت بيننا حلقات الحفظ بالتلقي .. فلا مصاحف لدينا بالطبع نحفظ منها . ولذلك كنا نتبادل حفظ السور من بعضنا البعض ، فيجلس أحدنا إلى أخيه إذا هدأت الأمور وانتهت حفلات العذاب ليسمع منه ما يحفظ ، ويظل يردد وراءه الآية بعد الآية هامساً ويَعُدُّهُنَّ على سُلامات الأصابع . فإذا أنهى خمساً منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمساً تاليات . حتى إذا انتهى اليوم وحل الليل وهجع الخلق رأيتنا نتعاقب على الحمام خلسة فنتوضأ ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءاً منفردين .. نعيد تلاوة ما حفظنا في النهار .

وعلاوة على ذلك وإذا سنحت الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كل علم يعلمه أخ بيننا ، أو رأي أو موضوع له فيه اطلاع . لكن ذلك ما كان يتم إلا بشكل فردي .. أو ربما بين أفراد المجموعة الواحدة وبمنتهى الحرص والحذر .


لكوليرا
ولم تكن بلاءات هذا المكان المريع لتتوقف .. فذات صباح في صيف عام 1981 استيقظنا على أصوات التقيؤ وصيحات الألم المكتومة في المهجع .. ووجدنا حالة من الإسهال الشديد أصابت الكثيرين بيننا . وأخذت العدوى تنتشر يوماً بعد يوم ، وجعل الإخوة يتساقطون من الإعياء داخل المهجع أو في وقت التنفس . وكانت الفاجعة بأنها الكوليرا قد سرت . ولم نلبث وقد استشرى الأمر أن وجدنا طبيب السجن محمد يونس العلي يمر على المهاجع ويسأل عن عدد المصابين ويسجل ذلك عنده . وبعد ساعتين أو ثلاث عاد الشرطة وطلبوا من رئيس المهجع أن يخرج هؤلاء المصابين جميعاً لينتقلوا إلى مهجع 13 في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين . فخرج من مهجعنا وحده حوالي الأربعين . وأمضى الإخوة في العزل عدة أسابيع قدمت لهم إدارة السجن وقتها علاجات مباشرة خشية أن ينتشر المرض فيشمل الشرطة والسجانين أنفسهم . أو أن يتعدى حدود السجن فينتقل عبر المجاري التي كانت تتصل مع شبكة مجاري بلدة تدمر وتنتهي في حقول المزارعين لترويها !

لكن المثير في الأمر أن هذه الحركة ساعدت العديدين على الإلتقاء بأقارب لهم أو أصدقاء كانوا في مهاجع أخرى والإطمئنان على أحوالهم . وكانت كذلك سبباً في وصول أخبار جديدة إلينا وتسريب أخبارنا إلى بقية الإخوة . ولقد بلغنا وقتها أن السجناء في بعض المهاجع اكتشفوا آثار إطلاق الرصاص وبقايا دم آدمي لا تزال موجودة على السقف والجدران من أيام مجزرة تدمر الكبرى في شهر حزيران من عام 1980 . لكن الأهم من ذلك بالنسبة لنا كان تمكن عدد منا من حفظ آيات وسور من القرآن الكريم لم تكن في مهجعنا . علاوة على انخفاض نسبة التعذيب واعتداءات الشرطة الذين باتوا يتجنبون الإحتكاك بنا خشية العدوى ! ولقد علمنا بعد عودة الإخوة أن وفيات حدثت بالفعل بين مصابين من مهاجع أخرى ، أذكر من أسمائهم الأخ ناصح شنيطي من دمشق . لكن لطف الله تعالى ورحمته كانت واضحة في هذه المحنة . وبرغم انعدام العناية الصحية اللازمة وقلة التغذية وسوء الأحوال فقد مرت الأزمة بأقل الخسائر وقد كنا نتوقع أن تودي بحياة المئات .


مهجع النساء
لم يطل المقام بنا كثيراً في تدمر حتى تأكد لنا أن هذا المكان الرهيب يضم بين جدرانه أخوات سجينات أيضاً خصصوا لهن غرفة المستوصف السابقة وحولوها إلى مهجع للنساء .

ولقد تأكد لنا الأمر أول مرة حينما استدعوا إلى التحقيق أخاً من مهجعنا اسمه بسام سفُّور من حمص كانت تهمته تأمين جواز سفر لبعض الأشخاص الملاحقين . ويبدو أن امرأة غير مسلمة اسمها أم طوني كانت قد باعته الجواز أو شاركت في عملية تزويره ثم اعترفت عليه . فلما استدعوه للتحقيق في السجن نفسه واجهوه بها . واستطاع بعدما انتهى التحقيق أن يراهم يدخلونها غرفة المستوصف التي سجنوا فيها النساء . وفي مرة تالية وبينما كنا في التنفس استطعنا أن نلمح عدداً من النساء المحجبات في ذلك الجانب من الباحة فتأكد لنا وجودهن هناك . لكننا لم يكن ممكناً لنا أن نعرف عنهن أكثر أو أن نقدم لهن أي عون .


الإعدام
واستيقظنا في يوم من تلك الأيام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتدنا عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير .. وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل من تحتها حين نادى علينا الشرطة من شراقة الباب فجأة وبشكل إيعاز :

الكل ضبوا لجوة ولا .

فسارعنا ونفذنا الأمر وتجمعنا كلنا في أقصى المهجع نستعيذ بالله من شر ما خلق ! وإن هي إلا برهة حتى بلغتنا من الباحة أصوات وضجيج غير مألوف .. وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى على الأرض .. والنوافذ عالية لانستطيع أن نطل منها .. وبيننا وبين الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيه خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بما نحن في غنى عنه .

لكن الجلبة استمرت .. وتتابع صوت ارتطام الخشب بأرض الباحة الإسمنتية .. ورأينا ظلال الشرطة على جدران المهجع تعبر من النوافذ العليا كالأشباح .. فشعرنا بقلق وانقباض .. وبدأنا نتوقع شر الإحتمالات .. ونحسب أنهم سيدخلون الآن ويطلقون علينا النار كلنا كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان . ولم يطل بنا الإنتظار كثيراً .. فما هي إلا برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى .. وسجناء ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلان يوحد الله . ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر اسم الأخ محمد ناصر البيك من حمص ، الذي بلغتنا تكبيراته وعبارته الأخيرة يقول :

أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله .

فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا . وأيقنا أنها عملية إعدامات تجري الآن . وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل . فاحتبست أنفاسنا جميعاً .. واختنقت فينا العبرات .. وتجمدت على ألسنتنا العبارات .. ولم تنقض أكثر من عشر دقائق حتى خفتت الأصوات .. وسكنت الحركة .. وبدأت الأمور خارج المهجع تعود إلى طبيعتها بالتدريج .. لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلك اليوم .. وأحضر الشرطة الطعام من غير أن يشيروا إلى ذاك الذي حدث بشيء .

وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلات . فها نحن الآن أمام الموت وجهاً لوجه .. والإعدامات التي كنا نسمع عنها ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسب .. وإذا كان شهداء المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعض أو ثأر بعد محاولة اغتيال رأس النظام ، فإن ما نراه الآن ونسمعه يجعلنا نحس أن الأمر منظم في الحقيقة ومقرر ، وأن هناك برنامجاً لتصفية السجناء إذاً . ولم يعد مستبعداً بعد الآن أن نقف أنفسنا هذا الموقف وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين !


تساؤلات .. وتأويلات
وأخذت التساؤلات تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعاً ، فتنتقل من فرد إلى آخر ومن مجموعة إلى غيرها .. وترسم معها معالم مختلف الناس الذين ضمتهم المحنة وجمعهم هذا المكان الرعيب . ورغم أن الحادثة هزتنا جميعاً إلا أن أكثر من اهتز حقيقة كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالأصل ، وجرفتهم المصلحة أو الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا في منزلة واحدة كالمنظمين والمسلحين .. ومن هؤلاء كان بضعة نفر من المهربين وتجار السلاح .. ممن لم يكونوا مهيئين نفسياً لا للمحنة ولا للإعدام والموت ! وانتشرت بناء على حال كل فئة تأويلات المتأولين وتحليلات المحللين .. فاجتمع رأي البعض على أن الإعدامات إنما تنفذ في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها .. وأما المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلاميذ المشايخ لا خطر منهم ولا تثريب عليهم ! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان : قسم تسلح ولكنه لم يَقْتُل أو يقاتل .. وهؤلاء أقرب للفئة السابقة إذاً . وفئة أخرى قاتلت وقَتَلت وثبت عليها العمل العسكري .. وهؤلاء هم الذين تنفذ فيهم الإعدامات وحسب .

وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف .. وظهرت بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد .. ونادى العقلاء بأن الأمور بيد المولى سبحانه والأعمار مقدرة في علمه الأزلي لا تنقص ولا تزيد .. وقال الإخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شرف لكل مسلم .. فإذا كانت قد دنت فمرحباً بها .. ولكننا هنا جميعاً في نظر النظام أعداء .. وهم لا يفرقون بيننا لا في عذاب ولا في إعدام .


وحل الشتاء !
ومضت الأيام وحل الشتاء .. شتاء الصحراء الذي لا يرحم .. ونحن في مهجعنا لا نملك إلا بطانياتنا البالية ذاتها ، والنوافذ والشراقات فوقنا مفتوحة على حالها ، ويا بؤس من بات ليلته تحتها .. ويا سوء حظ من تأفف من مطر السماء حتى ولو انصب عليه طوال الليل ! ولذلك وبسبب هذه البرودة والرطوبة وسوء التغذية تفشت بيننا أمراض الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل .. ثم لم يلبث أن ظهر السل فينا بعد أقل من عام .. أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشفه إلا وقد استشرى وعم !

وهكذا عدنا إلى برنامج المعاناة نفسه .. أسرى جدران المهجع 26 نتقلب بين عذاب وعذاب .. وتفقد وتنفس .. وحلاقة وحمام .. ولكننا كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلاوة آياته ما وسعنا الجهد . ولم يكن ذلك هيناً في هذا الجو العصيب ، لكننا ثابرنا بحمد الله وتابعنا . ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد ، فكان بعضنا يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلاة رغم أن التيمم كان مرخصاً لنا . وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته ! كذلك كنا نغتسل من الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغم أن التيمم كان وارداً أيضاً ، ونظن أنه لا حل لنا إلا بذاك . لكننا أخذنا من بعد نتتبع الرخص الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع . ولم نعدم أن نجد بيننا من ظل يتشدد ويصر على الإغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى أداء الصلاة وقوفاً والمجاهرة بالصيام حينما منع في السنوات اللاحقة ، برغم المخاطر واحتمالات الأذى له وللآخرين .


محكمة !
وذات يوم .. وكان قد مضى على حادث الإعدام بضعة أسابيع دخل علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها ، ولم نكن قد عهدناهم ينادون أحداً باسمه من قبل . لكن أياً من هذه الأسماء لم يكن بيننا . وتكرر الأمر مرة بعد مرة .. فأحسسنا أن ثمة شيئاً مريباً يدور .. حتى كان صبيحة يوم جديد ، حينما دخل الحرس ونادوا مجموعة أسماء من مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم . وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصاً كلهم من حمص .

ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضر الشرطة خلالها الفطور والغداء معاً وأغلقوا الباب علينا من غير تفقد أو تنفس .. فلما عاد الإخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة . فتيقنا ساعتها أنها جد إذاً . وعلمنا منهم أن أحكاماً صدرت بالإعدام على أكثرهم . وسرعان ما وجدنا الإخوة المحكوم عليهم بالإعدام قد تغير حالهم .. وانصرفوا عن كل شؤون الدنيا انصرافاً تاماً .. وتوجهوا إلى الله سبحانه بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكن من أهل هذه الدنيا أبداً . ولم ينقض شهران بعدها حتى طُلِبَ هؤلاء الإخوة للإعدام .. فكانت أول كوكبة من أهل الجنان إن شاء الله نودعهم من مهجعنا .. سائلين الله تعالى أن ينتقم لهم ويتقبلهم ويجعلهم في أعلى عليين .


مرحباً بلقاء الله
دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم الإعدام تتم في الباحة أمام مهجعنا مباشرة . وكانت مفاجأة لنا أن عدداً ممن تليت أسماؤهم كانوا قد خرجوا إلى المحكمة وقتها ولم يبلغونهم كالآخرين أنهم حكموا بالإعدام . فلما سمع الإخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضوا إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئاً هناك وصلوا عليه تخفياً من الشرطة خشية علينا نحن لا على أنفسهم . وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم غير الذين عرفنا كل هذه الأيام .. مطمئني النفوس .. مشرقي القسمات .. مقبلين بكل جوارحهم على الله راضين بقضائه . واستطاع بعضنا أن يعانق عدداً منهم .. وخرج الآخرون حتى من غير كلمة وداع . لا زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الإخوة حسن الصغير ، وعبد الغني الدباغ ، وبسام كالو وكلهم من حمص . ولا زلت أذكر كأنه الساعة كيف أن الأخ بسام استيقظ صباح ذلك اليوم مبكراً وقال لإخوة حوله : رأيت اليوم مناماً . سألوه : خيراً إن شاء الله .. ماذا رأيت ؟ قال : رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) . ولم يلبث أن نودي للإعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل ، فأحسسنا أن الله سبحانه حقق له منامه وتقبله وغفر له وأنزله الجنان إن شاء الله .



 

رد مع اقتباس