عرض مشاركة واحدة
قديم 02-17-2012, 08:24 AM   #2
أحسن واحد بالعالم


الصورة الرمزية أمير الاحساس
أمير الاحساس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1034
 تاريخ التسجيل :  May 2011
 أخر زيارة : 03-13-2026 (09:12 PM)
 المشاركات : 3,838 [ + ]
 التقييم :  3893
 معدل التقييم : أمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond repute
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كلما غنيت باسم امرأة اسقطو قوميتي.
وقالوا .
كيف لايكتب شعرا للوطن؟
وهل انتي شيء اخر غير الوطن؟
لوني المفضل : Cadetblue
عدد الترشيحات : 8
عدد المواضيع المرشحة : 5
رشح عدد مرات الفوز : 4
شكراً: 210
تم شكره 555 مرة في 347 مشاركة
افتراضي



اعترافات
ومضى أسبوع كما قدرت على هذا النمط من العذاب ، وصعدت من جديد إلى التحقيق بنفس الكيفية : مكلبشاً ومطمشاً وعارياً من كل شيء وجلست غصباً عني جلسة الخضوع . وأتاني الصوت من جديد يقول :

اسمع ولا .. نحن لدينا كل المعلومات عنك . ونعرفك من أول يوم أتيت فيه إلى هنا وكل مهمات القتل التي أحضرتها لهؤلاء المجرمين .. وكل واحد انقتل هو برقبتك . والآن قل لنا مع من كنت تتصل .

كانت اللهجة العلوية للمتحدث وللأشخاص الذين حوله هي الشيىء الوحيد الذي استطعت تمييزه حولي ، وكان الإعتراف على مسؤولي الجديد وخيوط الإتصال التي نَمَتْ بعد اعتقال سالم هي الأهداف التي يريدونني أن أصل بهم إليها بأسرع وقت . وعدا ذلك فالإرهاب والمجاهيل كانت تلفني من كل مكان . وعلى الرغم من هول موقفي إلا أنني استطعت أن التقط وسط هذه الدوامة المرعبة صوت امرأة يأتي من غرفة تحقيق أخرى كما يبدو وهي في موضع المساءلة والإتهام ، فزادني الأمر توتراً وتشتتاً ، لكنني استجمعت ما استطعت جَلَدي وقتها وقلت :

أنا لا أعرف أحداً إلا مازن . هو الذي كان يعطيني الرسائل ويطلب مني أن أوصلها لأبي الفرج .

قال : ألم يكن هناك إلا أبو الفرج ولا ؟

قلت وقلبي يكاد من طرقاته ينخلع من صدري خشية أن يكون سالم قد اعترف علي بالمزيد : أنا لا أعرف إلا أبا الفرج .

قال : والدكتور صالح ولا .. ماذا كان رده عندما أبلغته الرسالة ؟

قلت : استقبلني .. وضيفني فنجان قهوة ومضيت .

قال : وعندما ذهب إلى الأردن .. هل التقيته هناك ؟

قلت : أنا طالب في الجامعة هنا فكيف أذهب وألتقيه هناك !

وأتاني صوت سائل آخر : ألم تدخل سلاحاً ولا ؟

قلت بإصرار : أبداً .

قال : ولا أموال ؟

قلت : ولا قرش .

قال : طيب انقلع الآن .

ونزلت إلى الزنزانة ليلتها من غير أن يضربوني . ومضى يوم آخر من غير تعذيب أو تحقيق ، استدعوني بعدها وكانت الساعة بتقديري قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل .


مائدة اللئام
دخلت غرفة التحقيق مكلبشاً مكبلاً ومعرى ككل مرة ، وسرعان ما شممت رائحة خمر وطعام تملؤ المكان . وسألني أحدهم :

هل أنت جائع ؟ إذا أردت أن تأكل فتعال .

قلت وأنا لا أدري أهي دعابة منه أم محض سخرية :

لست جائعاً !

ومضى الجمع في تناول الطعام واحتساء الخمر وتبادل الحديث البذيء وأنا بين أيديهم جاثياً معرى تصلني أصوات المضغ وكركعة الشراب لا حول لي ولا قوة . لكنني تمكنت هذه المرة من أن أختطف نظرة على المكان ومن فيه من تحت تلك الطماشة التي انزاحت كما يبدو عن عيني برهة . وعلى الرغم من حالة الخوف التي تتملك السجين .. وبرغم الجو الإرهابي الذي أحاطني على مدار الأيام الخالية استطعت أن أحس من خلال تلك اللمحة العجلى ظلال الخوف والتوتر ترتسم على معالم الضباط المحققين . أحسستها من محاولاتهم الجاهدة إخفاء وجوههم وشخصياتهم عني وأنا المكبل الأسير وهم المتمكنون الطلقاء . ومن همهماتهم بعض الأحيان وإشاراتهم وتغامزهم مع بعضهم البعض . وأحسستها من ذلك السرير بطرف الغرفة الذي لا بد أنهم إذا أنهكتهم التحقيقات ناموا فيه من غير أن يجرؤوا في تلك الفترة على مغادرة الفرع خوفاً من أن تطالهم رصاصة واحد من المجاهدين .

لكن حالة الإنتشاء تلك لم تطل بي . ولم يلبث أن أتاني السؤال :

محمد ولا . هل تعرف أحداً من الإخوان الهاربين في الأردن ؟

قلت : لا .. لا أعرف أي أحد .

قال : أين تسكن هناك ؟

قلت : في الزرقاء . في العنوان الفلاني بشارع الفاروق .

فوجدت السائل يبادرني ويقول : بالقرب من المركز الإسلامي إذاً .

قلت وقد فاجأتني معرفته للمدينة وشوارعها بهذا التفصيل : نعم !

قال : ألم تر أياً منهم هناك ؟

أجبت : أنا لا أذهب إلى المركز .

قال : ألا تصلي ؟

قلت : نعم ، ولكن في المسجد .

قال : وهناك في المسجد ألم تر ناساً سوريين ؟

قلت : ربما ، لكنني لا أعرف اسم أي منهم .

وتبدل الحال هذه المرة ، وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب ، وعادت الكبلات تهوي على بدني المنهك بلا رحمة ، ومزقتني صعقات الكهرباء من جديد ، وغبت ككل مرة عن الوعي آخر الأمر ، ووجدتني في الزنزانة حينما صحوت ملابسي مكومة بجانبي والدم يسيل من كل مكان كان قد اندملت الجروح فيه ، وسرعان ما أتى العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ، ووجدت سالم معي في نفس المكان ، والمحقق يسألني من غير مقدمات :

متى التقيت بسالم أول مرة ولا ؟

قلت : في شهر شباط 1980 .

قال : أين ؟

قلت : أظن أنه أتى مع مازن إلى بيتي .

ولم أكد أتفوه بذلك حتى أتتني ركلة من وراء ظهري أحسست أن عيني خرجتا معها من محجريهما ، وناداني أحدهم بتشفي :

زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ولا ؟

قلت : والله ما عدت أذكر .

قال موجهاً حديثة لسالم : ما رأيك يا أبو الفرج ؟

أجاب سالم : صحيح سيدي .. التقينا عند مسجد خالد وصلينا المغرب هناك .. وكان ذلك بداية تعرفنا عليه .

قال المحقق موجهاً الحديث لي من جديد : وإذا كنت زلمة بتعمل خير ولا .. ليش لتلتقوا بالجامع وانت تعرف أن هناك مخربين وعصابة مجرمين في البلد ؟

قلت : أنا ذهبت بطبيعة الحال مع مازن لنصلي ، وهناك التقينا مع أبي الفرج .

قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة : اسمع ولا .. إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي .. فهمت ؟

أحسست أن الأمر بلغ حده ، وأن اعترافات سالم والمعلومات التي توفرت لهم لن تعفيني من الإصرار على الإنكار ، وأنه صار علي الآن أن أقدم لهم شيئاً ما يدفع عني شرهم .. فقلت :

الحقيقة أنا ليست لي علاقة بالموضوع من قريب ولا بعيد في البداية ، لكنني عرفت في الأخير أن هؤلاء من الإخوان وأنهم يقومون بشيء ما .. ولكن أنا ليست لي أي علاقة .

ومن غير أن أسمع تعليقاً على هذا الكلام أشار كأنما إلى الجلاد فجذبني بعنف ، ورماني في غرفة التعذيب المجاورة وأطلق عصيه وأدوات التعذيب علي ، لكنني نزلت هذه المرة إلى الزنزانة صاحياً ولم يغم علي ، وبعد قرابة الساعتين عادوا فاستدعوني إلى المحقق الذي ابتدرني بلهجة حازمة يقول :

اسمع ولا .. هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلام عليكم .. احك كل شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من ... أمك !

صراع مع النفس
كانت رهيبة تلك اللحظات بشكل لا يتصوره أحد . أجثو بين أيدي هؤلاء الظلمة كشاة لا حول لها ولا قوة .. مكشوف العورة مفضوح الأسرار . وجسدي كله لعبة بأيديهم يلهون به ويَعْدون عليه بلا رحمة . ومن غرفة التعذيب المجاورة يصلني صوت أخ آخر يستغيث ويصيح .. وهتاف مرٌّ بداخلي يقول لي : تكلم وإلا فالدور عليك ، والصراخ سيخرج للتو من جوفك أنت ! ولا تلبث أنفاس الرحمة أن تنساب في روحي وتهمس بي أن الإعتراف لن يعفيك أيضاً ، فإدانة نفسك تعني المزيد من التعذيب لتعترف بالمزيد من الأسرار ، والمصير في النهاية هو الإعدام المحقق ، مثلما تعني أن إخوة آخرين سيأتون هنا ليلاقوا كل هذا الذي لاقيت وربما أكثر .. وستكر السلسلة ويزداد الضحايا من غير أن ينجو منكم أحد .

دارت هذه الخواطر كلها في خاطري كلمحة برق ، وبدأت أسرد على المحققين الرواية ذاتها موحياً إليهم أنني انهرت وهذا كل ما لدي . وعلمت فيما بعد أنهم كانوا قد استدعوا سالم والدكتور صالح وسألوهما إن كنت أعرف عن محتوى الرسائل شيئاً فنفى الإثنان . وساعدني ذلك كثيراً ولله الحمد .

غير أن الأمر لم ينته ، وتعطشهم لمزيد من الأسماء ومزيد من الضحايا جعلهم يعيدونني إلى غرفة التعذيب ، وأسلموني ثلاثة أيام متواليات إلى الجلادين من غير سؤال أو استفسار . ثم كانت جلسة التحقيق الأخير ، وحاولوا للمرة الأخيرة أن يعتصروا كل معلومة أو اسم ربما لا أزال أحتفظ به ، وألحوا على أسماء المراسلين بالتحديد ، فثبتني الله ولم أذكر اسم أي إنسان بفضل الله ، وأصررت على أن صلتي الوحيدة كانت مع سالم إضافة إلى لقائي بالدكتور صالح تلك المرة . فأرسلوني من جديد إلى غرفة التعذيب ، لأجد من الأهوال ما أنساني كل الذي لاقيت من قبل هناك !

وانقضت ربما خمس أو ست ساعات علي هذه المرة يتعاقب علي الجلادون وأدوات التعذيب بشكل وقاكم الله شره . وعندما صحوت على نفسي في الزنزانة وجدتني على حافة الهلاك بالفعل . لا أتحسس موضعاً في بدني إلا وجدته مدمى أو مصاباً يشتعل من الألم كما تشتعل في الرماد النار !

مسيرة الأرقام !
وحضر السجان من جديد ونادى من وراء الأبواب على مجموعة من الأرقام ليجهزوا أنفسهم .. وأتاني الصوت البغيض :

13 ولا جهز حالك .

وفيما أخذت الأقفال تصطك بالمفاتيح وترتطم المزاليج الثقيلة بزوايا الحديد التي تحوط مجاريها على الأبواب الصلدة ، وبدأ تدافع الأقدام المدماة تتكؤ عليها الأجساد المنهكة يسوقونها مع الصفعات واللكمات ولسعات الكبل إلى المجهول ، انتصبتُ مكاني لأنفذ الأمر ، وجذبت بنطالي المتراخي لأستعد ، فهالني أنه اتسع علي فكأنه أكبر من قياسي بعشر درجات ، وأدركت للمرة الأولى أنني فقدت بين عشرة وخمسة عشر كيلو غراماً من وزني خلال هذه الأيام . ولم أكد أكتشف ذلك حتى فتح الباب وجذبني أحدهم بقسوة ، ودخلت ضمن مسيرة الأرقام المتحركة تسوقها اللطمات والركلات والكرابيج .

وكأنما أحس الجلادون أن اللقاء لن يتكرر ، ولذة الإستمتاع بتعذيب هذه المجموعة ها هي ستنقضي ، فبادروا بالجهد لتعويض الشوق إلى سماع استغاثاتنا وصراخنا ، ثم أركبونا وقد شارفنا على الهلاك سيارة مغلقة ، ونحن قرابة العشرين شخصاً مكبلي الأيدي معصوبي العيون . حتى إذا بدأت بالتحرك سرت التكهنات في سرائرنا وعلى أطراف شفاهنا : هل هي النهاية ؟ أإلى تدمر الآن ؟ أم ربما إلى سجن القلعة ؟ ولم يكن لنا من حيلة إلا الإنتظار . وسرعان ما وجدنا أنفسنا تتوقف بنا السيارة من جديد ، ويأينا الأمر الفظ مع سيل من الشتائم والمسبات بالنزول . ولم تلبث الأيدي القاسية والأرجل والكرابيج أن استقبلتنا بمثل ما ودعونا به هناك ، وساقتنا آخر الأمر نزولاً إلى قبو آخر عميق جداً ، لم نلبث أن عرفنا بعد هنيهة أنه قبو فرع مخابرات التحقيق العسكري .


النوم بالتناوب !
أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين ، لكن يداي كانتا مطلقتين . ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي ، وأحسست حركة من جهات شتى . وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر . حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي ، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء ، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة ، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت ، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض .

وسرعان ما لمحت سالم بين الناس فاقتربت منه بالتدريج . فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال :

لا تقترب مني كثيراً فربما كان هناك مخبرون بيننا !

لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج ، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي ، لنبدأ معاً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث .

كانت ظروف المهجع في غاية السوء . فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد . وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفاً ينتظرون ! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق ، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء . ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله ، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبداً .

وبقيت على هذه الحال ثلاثة أسابيع تقريباً ، كان الباب يفتح خلالها لإدخال الطعام فقط ، والذي لم يكن يكفي ليقيتنا الكفاف . فنصيب الواحد منا صمونتان عسكريتان جافتان في اليوم ، تصحبهما بضع حبات زيتون أو شيىء من اللبنة أو الحلاوة في الصباح . وعلى الغداء يصلنا بعض الرز أو البرغل مصحوباً بمرقة حمراء . وفي المساء وعلى وجبة العشاء ننال نتفاً من البيض المسلوق أو البطاطس أو حب الحمص المسلوق . صنفاً واحداً فقط ، ومقدار دريهمات منه وحسب !

القمل والجرذان !
ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتماً علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفاً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود !

كانت الجرذان ، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة ، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية ، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء ، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا ، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب . ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا .

ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين ، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل ، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل ، وانتشر فيما بيننا القمل . وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ، فإن القمل لم يوفر أحداً من بيننا أبداً ، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه . وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا . وكان منظراً اعتيادياً ونشاطاً مشتركاً لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره !

إلى الحلاق
وذات يوم ، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان ، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق . ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر ، وكان واضحاً من لهجته أنه من طائفة النظام .

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد . تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود ، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة . وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي ، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً . والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا ، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !

واعتدت حياة المهجع نوعاً ما ، وألفت الإخوة وألفوني . وتعرفت على العديد منهم من محافظات شتى ، أذكر منهم الإخوة حسين رشيد عثمان ، وابن عمه أيمن عثمان من مدينة الباب قرب حلب . وطاهر جيلو من ادلب . وجمال عقيل وجلال الدين جلال من حلب . ومحمد أرمنازي وجهاد كلاس الحلبي و..... جعمور و..... نجار وأسامة فتوحي الجندي من حماة . وتيسير أبو الرز وجهاد حلاق ومأمون العظمة و .... الصفدي وعبد الإله بعلبكي من دمشق وضواحيها . إضافة إلى سالم الحامد والدكتور صالح خوجة . ولقد تم إعدام أكثر هؤلاء الإخوة فيما بعد . وشهدت إعدام بعضهم بنفسي ، وسمعت عن الآخرين من شهود عيان .

إلهي أغثني
ولم يكن هناك في تلك المرحلة تعذيب أو تحقيق بفضل الله ، أو أنه كان لا يذكر قياساً بما سبق في فرع المخابرات . فوجدناها فرصة لا تثمن لنسمع قصص بعضنا البعض ، ومشاهدات وخبرات كل منا ، وأنعم الله علينا فنظمنا برنامجاً للصلوات والأذكار والدروس وحفظ القرآن ، ووقتها أتيح لي أن أسمع الكثير من سالم ومن غيره ، مثلما كانت بداية إقبالي على حفظ كتاب الله ، فكنت ألازم أخاً حافظاً لكتاب الله من حماة اسمه محمد صادق العون فأحفظ عنه ما تيسّر من سورة البقرة حتى جاوزت نصفها .

واستطعنا وقتها وللمرة الأولى منذ اعتقالي وللمرة الأخيرة ربما أن نصلي جماعة ، ورغم أن الحارس كان إذا فتح الشراقة ورآنا نصلي أخرج مجموعة منا وضربهم بلا رحمة ، إلا أننا كنا نعاود فعل ذلك ولله الحمد . ففي تلك الرحلة كانت معنوياتنا لا تزال عالية ، وثقتنا بالفرج وبالنصر كبيرة ، وكنا لا نزال نؤمل أن يأتي المجاهدون بين ساعة وأخرى فيقتحموا السجن علينا ويحررونا !

وأما سالم ، وبعد أن هدأت النفوس وأمِنّا المكان جلس وحدثني ، وروى لي كيف كان اعتقاله وكيف مضى التحقيق معه . وأكد لي أنه حاول أن يصرف عني ما استطاع ، واستسمح مني واعتذر إلي . وكان سالم حقيقة الأمر غير الشخص الذي عرفته من قبل ، فهو شخص بالغ التهذيب رقيق المشاعر بطبعه ، أصلح ما يكون مربياً . لكن قرار رميه في معترك هذه المعمعة لم يكن ليناسب مؤهلاته وشخصيته ، ولذلك كان دائم السهاد شديد الأسى ، يرقب هؤلاء الذين احتشد بهم المهجع بسبب اعترافاته ، ويرى أنه إلى الإعدام مصيرهم ، فلا يملك إلا أن يسكب الدموع وهو يدعو الله تعالى أن يخلصه . ولَكَمْ سمعته ينشد بحرقة ويقول : إلهي أغثني زماني عصيب !

اعترافات سالم
ولقد كان وضع سالم عصيباً بالفعل ، يلازمه هاجس أولئك الذين ينتظرون الإعدام ممن أتوا بسبب اعترافاته ، ويؤرقه آخرون قتلوا لنفس السبب . كان الأخ غالب آلوسي مسؤول دمشق وقتها من أبرزهم .

ولقد جرى كشف غالب حينما تم اعتقال مراسل إدلب طاهر عارف جيلو باعتراف من سالم أيضاً . فجرى تعذيبه ليعترف على موعده مع غالب ، فلما اشتد عليه العذاب ولم يكن بين اعتقاله والموعد إلا يومين أو ثلاثة أعطاهم مواعيد كاذبة ليشغلهم بها عنه . لكنهم كانوا إذا ذهبوا ولم يحضر أحد واكتشفوا الخديعة عادوا لينهالوا عليه بالضرب والتعذيب حتى كادوا يقتلونه .

وكان رحمه الله مصاباً بالقرحة وقتذاك ، إلا أن الله ثبته برغم ذلك كله ولم يعترف . ويبدو أنهم سألوا سالم عن الموعد فأخبرهم ، فأخذوا سالم وطاهر معاً وكمنوا له في المكان عند جامع المنصور . وعندما حضر غالب وتأكدوا أنه الشخص نفسه حاولوا اعتقاله ، لكنه اشتبك معهم - كما حدثني طاهر بنفسه - وأصاب أحد ضباط المخابرات بعينه قبل أن يقتل رحمه الله .


شَرَك جديد
ورغم أن سجل اعترافات سالم امتلأ إلى حافته سواء بما أدلى به تحت التعذيب أو ما توصلت المخابرات إليه عن طريق اكتشاف الهويات المزورة والمفاتيح الأخرى ، إلا أنهم كأنما أحسوا أن سالم لا يزال يخفي شيئاً . وكان هذا متوقعاً لاهتمام سالم - كما ذكرت - بتولي كل المسؤوليات بنفسه ومقابلة كل المراسلين شخصياً بأمر من القيادة في عمان . ولذلك رسموا له في فرع المخابرات بالعدوي شركاً جديداً أوقعوه فيه ، وأوقعوا معه مجموعة جديدة من الضحايا .

وكانت الحيلة حينما أمروا سجاناً من المنطقة الشرقية اسمه وائل أن يتودد إلى سالم ويتقرب منه بذكاء وحنكة . فأخذ ذاك يزيد له في الطعام يوماً ، أو يحضر إليه كوب حليب في خفاء مُدَّعَى . ومع الملاطفة في الكلام والرقة في التصرفات نمت العلاقة بينهما وتمت الخطوة الأولى . وفي يوم من الأيام جاء وائل هذا إلى سالم وقال له : أنا في الحقيقة واحد منكم .. ولست في هذا المكان إلا لأنني مجند في الخدمة الإلزامية . وأرى أنه لا بد وأن نستفيد من الفرصة ونحرركم مثلما حصل في كفر سوسة .

ومن المعلوم أن مجنداً آخر في سجن كفر سوسة كان سبق له وأن تعاون مع الإخوة السجناء هناك وتمكن في أيار من العام السابق 1980من مساعدة سبعة عشر منهم على الهرب في حادثة غير مسبوقة . فلما بلع سالم الطعم وسأل وائل عن الكيفية طلب ذاك منه أن يؤمن له صلة بمجموعات مسلحة خارج السجن ليساعدونه ، فأعطاه سالم الأسماء . وفي ليلة واحدة تم اعتقال قرابة اثني عشر شخصاً لم يكونوا مكشوفين أبداً ، أذكر منهم عبد الكريم مهلهل من دير الزور الذي كان يدرس الطب في دمشق ، وآخر من بيت السراج من الدير أيضاً ، أظن اسمه الأول كان محمود . وتم للسلطة ما أرادت ، واطمأنوا إلى أن سالم أفرغ الآن ما في جعبته فنقلوه إلى فرع التحقيق العسكري ، لألتقيه مترعاً بالشجون والأسى هناك .


أحقاد الطائفيين
ومرت الأيام ، واستطعنا التعرف على بعض جلادينا وسجانينا . فرئيس الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية . وأما مدير السجن في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الإرادة كأكثر المسؤولين والضباط من غير طائفة النظام ، على العكس من نائبه المدعو أبو منهل ، والذي كان نصيرياً حاقداً . فكان يقتحم علينا المهجع من غير سبب إلا أن يدلق علينا سيلاً من الشتائم والكلمات القذرة التي طفحت بها حوصلته ويمضي ! ومن السجانين عرفنا واحداً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضاً وفي منتهى القسوة والتجبر . وكان هناك رقيباً أول بنفس المواصفات اسمه مالك لا حد لأحقاده وقسوته . فكان لا يدع أحداً يعبر أمامه من السجناء إلا ضربه ، ولا يفوت فرصة لتعذيب الناس إلا اغتمنها . وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لإدخال الطعام إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بلا حساب .





الكرسي الألماني !
وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخوات من النساء معتقلات في نفس الفرع معنا ، ولكننا لم نلتق أياً منهن . كذلك علمنا أن في السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيضاً ، غير أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقاً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء .

ومن المشاهد المؤلمة التي لا أنساها عن تلك الفترة حالة الأخ حسين رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي الألماني" في فرع المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل . والكرسي الألماني هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه ، فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة . فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري . فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر . وعندما التقيت الأخ أبا رشيد كان وضعه في غاية السوء . فلم يكن يستطيع تحريك ظهره البتة ، ولم يكن يرتاح لذلك لا في يقظة ولا في منام ، ولا يستطيع لا أن يجلس ولا أن يقف . وانتقل الألم إلى رجله أيضاً فزاد من عذابه ومعاناته . ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب .

وكان الأخ حسين عثمان صحفياً في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط ، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك ، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ سالم الحامد . فلما اعتقل سالم اعترف عليه فيمن اعترف . ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب :

لا بأس .. الله يسامحهم ..كله في سبيل الله .

وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل ، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به سالم ، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف . وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب ، خرجا من بلدتهما معاً ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما . وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف . وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه - :

اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي .

وجعل يذكره كيف كان والده مختاراً للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد . وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة . لكنه لم يصل معه لشيء . وفيما بعد ، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه ، نال رحمه الله عذاباً شنيعاً على هذا اللقاء ، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استناداً إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب ، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته .



إلى المنفردة من جديد
مضت قرابة ثلاثة أسابيع على وجودنا في المهجع الجماعي لنفاجأ صبيحة أحد الأيام بالسجان يفتح الباب ويطلب مجموعة من الشباب بأسمائهم . وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جرى فقالوا إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب . ما الذي فيها ؟ لم يدر أحد . وتكرر الأمر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كل الذين اعترف عليهم سالم . وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جاءني الطلب مع ثلاثة أو أربعة إخوة آخرين ، فطمشونا وكبلونا من جديد ، ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه .

مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة . ولم يلبث البرد أن بدأ يزحف على جسدي ، وينخر مفاصلي وعظامي . ولم يكن في الزنزانة أية بطانية أو غطاء ، ساعتها افتقدت نعمة الإزدحام في المهجع التي أمنت لنا الدفء على أقل تقدير ! ولم أكد أتكور على نفسي محاولاً بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الآخر حتى أخذ القمل ينشط فيّ ويبدأ عضاته التي لا ترحم ولا تُتَّقى ! ولم تلبث أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل ، فأدركت أنني قريب من غرفة التعذيب التي لم نكن نحس بوجودها في المهجع . وازداد الصراخ ، وطال العذاب ، عذاب الأخ يليه الأخ وعذابي أنا . وأخذت الهواجس تطبق علي وتنهش نفسي المنهكة . وعدت إلى مخاوفي التي سكنت بعض الشيء بملاقاة الإخوة والإستئناس بهم في المهجع ، وها أنا ذا هنا من جديد لا أنيس حولي آنس به ولا جليس أشكو مرارة حالتي إليه .

ومضت الأيام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة .. يفتح السجان الباب علي الآن ثلاث مرات في اليوم للخروج إلى الحمام .. وليته لم يكن يفعل . فتلك كانت فرصة مالك السجان الموتور وأمثاله ليسلخوا جلودنا بالكبلات من جديد ، ويفرغوا فينا من سموم أحقادهم ما وسعهم الجهد . فإذا عدت عادت إلي الأوجاع والبرد والجوع والكوابيس .. عرضة في أي وقت لنزوة سجان يفرغها في بدني المنهك من غير أي سبب أو تفسير . فلا أملك إلا البكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنا . وبعد مضي عدة أيام وجدتهم يستدعونني إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لم أكن أعرفهم بالفعل . فرفعوا الطماشة عن عيني وعرضوهم أمامي . فقلت لا أعرفهم . وتكرر الأمر ، ثم وجدتهم في المرة التالية يعرضونني أنا على أخ معتقل لا أعرفه ، لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم . ولقد علمت بعدها أن الأخ كان أحد من كشفتهم اعترافات سالم أيضاً ، لكنني لم أعرف لماذا قال أنه يعرفني رغم أنني لم أره من قبل بالتأكيد . ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب لا بد وأن طاله مثلما طال البقية . لكن ذلك كان من أصعب الأمور حقاً . فالواحد لا يكاد يصدق أنه أغلق الأبواب عليه وانتهى من دوامة العذاب والتحقيقات ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد !





 

رد مع اقتباس