عرض مشاركة واحدة
#1  
قديم 02-17-2012, 08:15 AM
أحسن واحد بالعالم
أمير الاحساس غير متواجد حالياً
SMS ~ [ + ]
كلما غنيت باسم امرأة اسقطو قوميتي.
وقالوا .
كيف لايكتب شعرا للوطن؟
وهل انتي شيء اخر غير الوطن؟
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 1034
 تاريخ التسجيل : May 2011
 فترة الأقامة : 5470 يوم
 أخر زيارة : 03-13-2026 (09:12 PM)
 المشاركات : 3,838 [ + ]
 التقييم : 3893
 معدل التقييم : أمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond reputeأمير الاحساس has a reputation beyond repute
بيانات اضافيه [ + ]
عدد الترشيحات : 8
عدد المواضيع المرشحة : 5
رشح عدد مرات الفوز : 4
شكراً: 210
تم شكره 555 مرة في 347 مشاركة
افتراضي حمامات الدم في سجن تدمر



كتاب يروي قصة السجن التي ذاق أهوالها المؤلف الأردني في سجون النظام السوري ، وتقرأ في الكتاب: قصص الرعب والتعذيب والموت, قصص احتقار الإنسان ونكران حقوقه الأساسية ,قصص الحقد والكراهية , قصص الجنون والجحيم في
سجن تدمر


تدمر شاهد و مشهود



مقدمة
كانت الحياة ضحى ذلك اليوم البارد من آخر أيام سنة 1991 تمضي في مدينة تدمر الصحراوية على غير ما جديد . فالأطفال مضوا مبكرين إلى مدارسهم . والأمهات في المنازل يلُكْن الأحاديث مع الجارات وقد أمنّ انصراف الرجال إلى أعمالهم وخلو البيت من المنغصات . والدكاكين في السوق الرئيسي للبلدة استقبلت روادها الذين اختلط النساء فيهم بالرجال ، والمدنيون بالشباب المجندين ، والمترجلون بالراكبين ، والدواب بالسيارات .. وكلٌ ينفث من صدره هماً أو يرسل زفرة التياع . فهذا جندي متأخر في إجازته يريد اللحاق بوحدته العسكرية ولكن سائق السيارة الذي لا يزال يأمل في اصطياد راكب إضافي يماطل ولا يتحرك . وصاحب الدكان ضاق ذرعاً بزبونته التي أطالت معه الجدال من أجل أن يخصم لها من سعر الحاجيات التي اشترتها بضع ليرات هي كل ربحه من هذه الصفقة التافهة ، وما عادت تكف عن الرجاء والإستعطاف . وحتى الحمار الذي حمّله صاحبه من البرتقال أكثر من قدرته في هذا السن المتقدم صمم فجأة على تسجيل موقف مشرف .. فحرن وسط الطريق العام ، وأحدث أزمة سير سببت له ولصاحبه سيلاً من الشتائم بالألسنة أو الزمامير النزقة .. لكن الحمار وحده هو الذي لم يهتم !

وعلى هذا الطريق ومن حيث تدلف السيارات القادمة من جنوب المدينة فتعبرها باتجاه حمص ، كان أحد باصات "التويوتا" أحمر اللون يغذ بنا السير نحو الإتجاه نفسه ، من غير أن يلفت انتباه أحد من كل هؤلاء الناس أو يعني لهم أي شيء . لكننا نحن ركاب الحافلة الذين ارتدينا جميعاً ملابس عسكرية كاكية اللون تكاد تكون جديدة ، وقبعنا في مقاعدنا يلفنا صمت مطبق ، كنا اللحظة كالخارج من رحم أمه أول مرة ، أو كالقادم إلى الأرض من كوكب لم يكن فيه من البشر من قبل أحد . وحينما أطلق السائق النزق شتيمة سافلة للحمار وصاحبه ، وتخطاهما يكاد يحرق محرك الباص من غير سبب حقيقي أو مبالاة .. كنت وبقية الركاب الآخرين لا نزال نحملق في الحمار صاحب الموقف .. وببقية عباد الله حوله . ونتابع بعيون نهمة قدر ما هي وجلة كل شاردة وواردة تخطر حولنا . ثم لا نلبث أن نخفض رؤوسنا بانكسار .. ونرد الطرف وهو حسير .. وننصت متوجسين خشية أن يكون أمر ما قد صدر ونحن في سرحاننا هذا فأوجب علينا تلكؤنا بالإجابة العقاب !

ويمضي الباص بنا في اتجاه دمشق .. وتمضي بي الهواجس تسري من جديد ، وتنفجر في داخلي العبارة التي لا تزال تعصف في أذني كالبركان منذ أيام ثلاثة مضت ولا تكف عن الترداد تقول :

"سيادة الرئيس أصدر قراراً بالعفو عنكم .. وإن هي إلا أيام حتى تكونوا بين أهاليكم" .

لكنني أراني كالملسوع ومن غير مقدمات يقفز من أعماق أعماقي صوت آخر كحشرجة المحتضر يقول : بعد اثني عشرة سنة .. من يُصَدِّقْ ؟ ومن يثق بمن ؟ ثم ماذا إذا صَدَقُوا ؟ أي مستقبل لنا وأية حياة ؟ وأين سيكون موقعنا بين هؤلاء الذين فارقناهم في أعمارنا فصاروا الآن آباء ورجالاً لهم في الحياة مركز وموقع ؟ أو موقفنا من أولاء الذين خلفناهم وراءنا حتى من غير أن نقول لهم كلمة وداع !

وسرعان ما أنتبه من حواري الصامت هذا على أحد المرافقين يقهقه بصوت مجلجل من غير أن أفهم السبب .. أتأمله من طرف عيني فكأنه بشعره النابت وشاربيه المتدليين وسحنته السمراء نوع من المخلوقات انقرض من عهد بعيد واختفى ، ثم ها هو ذا يعود الساعة إلى الوجود !

كان من أغرب المشاهد حقاً علي وعلى قرابة خمسة وثلاثين أخاً يستقلون الباص معي أن نبصر رجلاً طبيعي الهيئة معافى البدن يقهقه ملأ شدقيه بلا خوف ولا وجل .. بعد أكثر من عشرة أعوام أمضيناها في سجن تدمر الصحراوي ، لا نبصر إلا وجوه المعتقلين صفراء ناحلة ، ورؤوس نزلاء الزنازين محلوقة كالبطيخة الملساء .. وهاماتهم مطأطئة من القهر على الدوام .. تتلقى كل أصناف العذاب ، ولا حق لها أن تنبس ولو ببنت شفة !

كانت تلك هي نهاية الكابوس المرعب أو مراحل نهايته الأخيرة . وكانت المشاعر والهواجس خليطاً من الفرح والوجوم .. والبشرى والتوجس .. والتشوف والتخوف . لكن البدايات كانت مذ كانت غير ذلك .. وفاتحة الرحلة ها هي كما ارتحلتُ بها من قديم الزمان .

سنوات الشباب
اسمي محمد سليم حماد . ولدت عام 1960 في العراق رغم أن أهلي من فلسطين . فوالدي رحمه الله سليم حماد المفتش في وزارة التربية والتعليم بالأردن وقتذاك كان في مهمة عمل في العراق حين وضعتني أمي . ثم لم تلبث الأسرة أن عادت إلى مدينة نابلس ، فجرش . قبل أن تحط بنا الرحال في مدينة الزرقاء بالأردن ، حيث نشأت وترعرعت وسط إخوتي الأربعة . وأمضيت عشر سنوات كاملات من سن التاسعة إلى التاسعة عشرة .

لم تكن أسرتي بالأسرة الملتزمة أو صاحبة الإنتماء السياسي المحدد . الوالدان يصليان كعادة أهل البلد ، لكن الدين عندهما لا يزيد عن ذلك بكثير . وحين بدأت أتردد على المسجد وأبدي وأنا في المرحلة الإعدادية ما يمكن أن يسمى اهتماماً أكثر بالدين ، بدأت علامات التململ تظهر في البيت . وحين تحول هذا الإهتمام إلى درجة أشد وأخذت أتفاعل مع الإسلام كقضية وبدأت أنشط في هذا الإتجاه ، انقلب التململ الخفي إلى معارضة وتحذير . لكننا تجاوزنا تلك المعارضة بالتدريج بفضل الله . ولم أكن واقع الأمر أحاول إلا أن أطبق الكلام الذي أسمعه في مسجد عثمان بن عفان الذي اعتدت المداومة على الصلاة فيه والإلتقاء بالشباب في رحابه من غير رابطة محددة إلى ذلك الوقت . كانت القضية مجرد عاطفة تجيش وتستعر ، لكن التفاعل مع الدعوة إلى الله أخذ يغمرني بشكل متزايد ، وتبليغ الناس هذا النور الذي بلغته أخذ يلح علي كهاجس دائم .

كنا مع مجموعة من الأصدقاء الأصفياء نتنافس في الخير . ولا أزال أذكر كيف كنت أستيقظ قبل أذان الفجر بساعة أو أكثر حتى في أشد أيام الشتاء برودة لأذهب إلى بيوت أولاء وأوقظهم للصلاة . وبعد صلاة الجماعة في المسجد كانت لنا جلسة لقراءة المأثورات . وجلسات ولقاءات في المدرسة بين الصفوف ، وبعد المدرسة ، وفي الصلوات الأخرى . ولم تلبث الأفكار أن بدأت بالتبلور لدي وأنا أتدرج في مراحل الدراسة حتى ملكت علي كل كياني ، وصرت أنفق كل تفكيري في البحث عن مجال نطبق فيه هذه الأفكار إلى حيز الوجود ، ووصلت إلى قناعة تامة بأنه مهما بذلت في سبيل ذلك الهدف فسيرخص دونه . ولم ألبث أن وجدتني عضواً في جماعة الإخوان المسلمين التي تنشط في الأردن بشكل علني ، ويدخلها الناس وينتمون إليها بشكل طبيعي وعادي . وعندما بلغت المرحلة الثانوية كنت مسؤولاً عن الطلبة المنظمين في مدرستي ولم يكن ذلك بالأمر الذي أخفيه .

منهج ونظام
كانت الحركة الإسلامية في الأردن وقتذاك في بداية تشكيل جديد بعد محنة إيلول عام 1970 . وكان إخواننا وموجهونا يُعْنَوْنَ بتربيتنا ويَجْهَدون لنقل الإسلام المتكامل إلى أذهاننا وعقولنا . فتعلمنا أن هذا الدين هو الطريق الذي تسعد البشرية من خلاله وحده ، وأنه نظام متكامل للحياة .. فهو منهج سياسي وحل اقتصادي وخلق وعبادة ونظام . هو دين الله وسعادة البشرية فيه ، وعلينا نحن الذين تبنيناه أن ننشره بين الناس ونجهد لتطبيقه على شكل نظام سياسي كامل . ولكم كان يحلو لي أن أنشد وقتها بكل جارحة كم جوارحي أبياتاً من قصيدة "شباب الإسلام" للشهيد هاشم الرفاعي يقول فيها وكأنه يتحدث بلسان حالي :

ملكنا هذه الدنيا قرونا

وأخضعها جدود صالحونا

وسطرنا صحائف من ضياء

فما نسي الزمان ولا نسينا

ثم إذا نظر إلى واقعنا ونظرت معه أنشدت أبياته التاليات :

وما فتىء الزمان يدور حتى

مضى بالركب قوم آخرونا

ترى هل يرجع الماضي فإني

أذوب لذلك الماضي حنينا

وتراني من ثم أهتف بانفعال أريد أن أسمع العالم كله أقول :

دعوني من أمان كاذبات

فلم أجد المنى إلا ظنونا

وهاتوا لي من الإيمان نوراً

وقووا بين جنبي اليقينا

أمد يدي فأنتزع الرواسي

وأبني المجد مؤتلقاَ مكينا

انه لصعب حقاً أن أصف مشاعري وقتذاك ، لكن الإنسان إذا تبنى فكرة بهذا العمق وهذا القدر من الجدية فإنه يجند كل سكنة وحركة من حركاته في سبيلها . ويشعر أنه على استعداد كامل لانتزاع الرواسي من أجلها .


مخيم النخبة

في عام 1977 عقدت "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" مخيماً لها في منطقة "دبين" بالأردن قدر لي أن أشارك فيه على الرغم من أنني كنت لا أزال في المرحلة الثانوية بعد والمخيم مخصص للجامعيين . وكانت العادة أن نشهد مخيماً أو اثنين في العام نتدرب فيهما على الحياة الخشنة واللياقة البدنية ، ونتلقى من خلالهما بعض المحاضرات والدروس التربوية . لكن الجديد في ذلك المخيم وقتذاك أنني التقيت وللمرة الأولى بنخبة من إخواننا السوريين ، وتعرفت عن كثب على قضيتهم ومعاناتهم وجملة هامة من أفكارهم . الأمر الذي كان له وقع مختلف على نفسي لم تظهر آثاره إلا بعد سنوات .
معاناة مرة

كان مسؤول الخيمة التي نزلت فيها أخاً سورياً اسمه صبري غنام وكنيته أبو عمار . ولا أزال أحس بالأثر العميق الذي تركه هذا الأخ المربي في نفسي ، وأتذكر تماماً صور الإخوة الآخرين والمحبة التي قامت بيننا منذ ذلك الوقت . وعندما دخلت سورية بعد ذلك بسنوات عرفت أن الذين التقيتهم كانوا طليعة الإخوة السوريين ونخبتهم : عصام وعبد الله قدسي . جمال عقيل . جلال جلال . عدنان شيخوني .

كذلك حضر المخيم وقتها الشيخ سعيد حوى وألقى فينا محاضرة مطولة وقتها . لكن المحاضرة التي ألقاها الأخ عدنان شيخوني كانت أول كلام أسمعه عن النظام السوري وتركيبته الطائفية وتسلطه وطغيانه ، وكانت بداية اطلاعي على معاناة إخواننا المرة في سورية . وأتذكر أن أطرافاً من أحاديث وصلتني في المخيم أيضاً عن عمليات الشيخ مروان حديد وقتها . فلما تفجرت الأحداث في سورية بعد عامين كنت أحس أنني قريب من هؤلاء الإخوة ومن قضيتهم ، ووجدتني عندما أتى من أتى وسألني أن أساعد في هذا الإتجاه أَقْبَلُ بلا تردد .. وأُقْبِلُ بكل امتنان وسعادة .


حادثة المدفعية
كانت أيام المرحلة الثانوية قد انقضت وحصلت على المجموع الذي أهلني لدخول كلية العلوم بالجامعة الأردنية . وفجأة ومن غير مقدمات بلغتنا أواخر شهر حزيران عام 1979 أنباء حادثة المدفعية بحلب ، والتي اتهم الإعلام السوري بها جماعة الإخوان المسلمين وأعلن الحرب عليها من فوره . وسرعان ما انتقل صدى الحادثة إلى صفوف الإخوان الأردنيين ، وعاد الحديث عن طائفية النظام السوري ومظالمه وبطشه بالإسلاميين يسري بيننا ، في الوقت الذي أخذت الصحف المحلية والعربية تسلط الأضواء بطرق شتى على الحادثة ومنفذيها .. وعلى خلفيات الوضع السياسي والطائفي في سوريا بشكل عام .

في ذلك العام كانت مشاعرنا الإسلامية مشدودة مع الثورة الإيرانية أيضاً ، وكانت العواطف الثورية آخذة في التنامي بين أوساط الإخوان الإردنيين . وعلى الرغم من أن العمل المسلح لم يكن وارداً في تربيتنا الإخوانية ، وكانت الجماعة كما أفهمونا دائماً مجرد حركة دعوية وحسب ، إلا أن الفكرة كانت تتشكل وفق نفسية كل فرد منا . ولذلك نشأت مدارس متعددة داخل التنظيم ، التزم بعضها بتوجيهات القيادة وتعليماتها ، ورأى البعض نتيجة حماسته أن علينا أن نبادر ونتصرف بشيء عملي لخدمة هذا الدين ، وأنه لا منفذ لتحقيق ذلك وسط هذه الظروف إلا الإستعانة بالسلاح . وبعد تفجر الأحداث في سورية قوي هذا الإتجاه عموماً ، ولذلك وعندما بدأت أقدم المساعدة للإخوة السوريين كنت في غاية السعادة أحس أنني أقوم الآن بعمل حقيقي جهادي لتطبيق الإسلام الذي حملته كفكرة طوال السنوات الماضية .

الى دمشق
كانت طبيعة المساعدات التي قدمناها للإخوة السوريين اللاجئين إلى الأردن مجرد خدمات اعتيادية لتسهيل تنقلاتهم واستئجارهم للبيوت داخل البلد . لكننا كنا من خلال ذلك نتعرف أكثر على خلفية الأحداث ونحس المأساة التي تجسدها عوائل كريمة نزحت عن بلادها خوف الملاحقة والإعتقال ، وشباب متفوقون تركوا جامعاتهم ومدارسهم ليعيشوا حياة الإغتراب والتشرد القسري . وكنا نسمع من هؤلاء روايات مثيرة عن البطولات التي تجري ، ونتفاعل مع قصص المواجهات التي يقوم بها حفنة من الشباب في مقابل نظام دكتاتوري كامل العدة والعتاد ، فكأنها ضرب من الخيال . ومن خلال ذلك تعرفت على الكثير من الشباب السوريين وقياداتهم . ولم ألبث في خضم ذلك أن تلقيت رسالة من سوريا تتحدث عن قبولي في كلية الهندسة المدنية فيها ، والتي كنت قد تقدمت إليها خلال الفترة الماضية رغبة مني في دراسة هذا الفرع الذي أميل إليه . وبالفعل رتبت أموري وحزمت حقائبي ويممت مع بدايات عام 1980 شطر دمشق ، تحدوني الآمال بدخول الكلية التي تمنيتها ، والأمنيات بالإقتراب أكثر من تلك القضية الجهادية الساخنة هناك .

وواقع الأمر فإنني وبعد أن ازددت احتكاكاً بقيادة الإخوان السوريين من خلال تعاملي معهم في الأردن ، فقد تم وصلي بالإخوة السوريين في دمشق ، وحددت لي مهمة مبكرة بتوصيل تعليمات القيادة من الأردن إلى دمشق . وفي هذا السياق تم ربطي مع شخص آخر اسمه مازن كان سائق سيارة على الخط نفسه ، لنؤدي هذه المهمة بالتعاون والتنسيق . وفي عمان كان الأستاذ علي البيانوني "أبو أنس" والأستاذ أديب جاجة "أبو الطاهر" أكثر من كنت أتلقى منهم التعليمات والرسائل وأنقلها بمساعدة مازن ، لنسلمها هناك إلى الأخ سالم الحامد "أبو الفَرَج" أو خالد الشامي أو إخوة آخرين كانوا يأتون من مختلف المدن والمحافظات إلى مواعيد محددة لا نعرفهم إلا بأسمائهم الحركية .


بين الطليعة والإخوان
كان الوضع التنظيمي للإخوان في دمشق في بداية تأسيسه تلك الفترة . فالقيادة في الأردن قررت أن تُنْزِلَ مجموعات من شبابها لتأسيس قواعد جديدة . وتم اختيار أبي الفَرَج ليكون أمين سر مركز دمشق ، وفاروق أبو طوق مسؤولاً عسكرياً . وأما المسؤول العام لمركز دمشق فكان غالب الألوسي . ولم تكن طبيعة المرحلة تتعدى تأسيس القواعد وتأمين أماكن لمن ستختاره القيادة في الأردن للنزول . أما خارج هذا الإطار وبالنسبة للعمليات والأحداث الجارية والمتصاعدة على الساحة في دمشق أو في بقية المحافظات فلم تكن معلوماتي عنها كثيرة وقتها . كنا نسمع الأخبار كباقي الناس ، ولكننا لم نكن نعلم كثيراً عن وجود تنظيم آخر هو الذي ينفذ العمليات ، أو عن وجود خلاف تبين أنه لم يكن طارئاً ولا سطحياً بين قيادة الإخوان في الخارج وتنظيم الطليعة في الداخل . لكن خلافاً آخر نشأ لاحقاً بين صفوف قيادة مركز دمشق الجديدة هذه حينما أراد فاروق أبو طوق أن ينفذ عملية تستهدف مبنى للخبراء الروس في دمشق ، فاعترض سالم والإخوة الآخرون في القيادة لأن مخطط التنفيذ وطبيعته كانا يقتضيان استخدام كمية من المتفجرات كفيلة بتدمير المبنى وما جاوره من مبان سكنية لمدنيين عاديين . واشتد الخلاف حول الأمر حتى طلب سالم من الشيخ سعيد حوّى استبدال فاروق فتم له ذلك .


مراسلات
مضت الأمور على هذه الشاكلة . أداوم في كلية الهندسة بشكل عادي ، وأساعد بين وقت وآخر في نقل المراسلات وتبليغ المهمات بين عمان ودمشق ، إلى أن قدر الله في يوم من أيام شهر آذار كنت مسافراً وقتها من دمشق إلى الأردن حينما أوقفوني في مركز الحدود السورية من غير مقدمات وأمروني بمغادرة السيارة والذهاب معهم . وكان من لطف الله أنني لم أكن أحمل معي أية رسالة أو أمر يثير الشك يومها . وبت ليلتها في سجن المخابرات بدرعا من غير أن توجه لي تهمة محددة . ولا أزال أذكر كيف اخترق البرد عظامي وجعلني أعاني الليل كله في الزنزانة وحدي تختلط الأفكار في ذهني وتتقلب علي الهواجس قبل أن تأتي دورية للمخابرات صباح اليوم التالي فتأخذني إلى قيادة الأركان بدمشق .

ورغم أنني لم أشعر بالخوف مما حدث إلا أن الغموض بحد ذاته كان مخيفاً . وعلى الرغم من أنهم لم يعاملوني بشدة تذكر في الأركان وتبين لهم خلال يومين اثنين أنني لم أكن الشخص المطلوب ، إلا أن الفترة التي أمضيتها بين الزنازين وفي أقبية المخابرات حينذاك كانت كافية لأتبين فظاعة الوضع هناك ومقدار الرهبة والمعاناة التي يلاقيها السجناء : طريقة الأسئلة .. الكلمات البذيئة والمسبات .. الصفعات والإهانات .. وأصوات التعذيب واستغاثات المعذبين . وعندما خرجت وعدت إلى الأردن رأيت الأهل الذين علموا بالخبر مضطربين جداً ، وألحوا علي أن لا أعود . لكنني أصرت على العودة ، ورجعت بالفعل إلى كليتي ، وإلى تأدية مهمتي مراسلاً مثلما كنت بين القيادة في عمان وأبي الفرج في دمشق .


بو الفَرَج
كان أبو الفرج رحمه الله العنصر القيادي الأنشط في مجموعة قيادة دمشق . وسالم هو الإبن الأصغر للشيخ محمد الحامد رحمه الله أحد العلماء المشهورين في حماة . وربما كان ذلك أهم أسباب توليته المزيد من المسؤوليات . ولا أزال أذكر أنه طلب مني أواخر أيامه أن يستلم كل المراسلات القادمة من عمان ليوزعها على مراسلي المحافظات بنفسه . وعندما أبديت له خشيتي أن ترهقه المسؤولية أو أن تزداد نسبة انكشافه بازدياد الذين يلتقيهم أصر . وفي اللقاء التالي قال لي بأن الشيخ سعيد حوى يريد ذلك أيضاً ويأمر به . فلم يسعني إلا أن أجيب طلبه . وكان من مفارقات الأمور أن اعتقال سالم أتى بعد فترة وجيزة عن طريق اعتقال أحد هؤلاء المراسلين أنفسهم !

لم يكن سالم وهو أمين سر تنظيم دمشق يمشي مسلحاً ، وعندما سألناه عن ذلك مرة قال لنا : ان حدث شيء فلن يتمكنوا من اعتقالي ، فإما أن أموت أو أن أفلت منهم . لكن الظروف أتت على غير ما توقع سالم ، ففي شهر آب عام 1980 تم اعتقال مراسل حمص ، ولم يكن بين اعتقاله وموعده مع سالم أكثر من ساعة ، لكن الأخ اعترف من شدة التعذيب على الموعد المقرر على موقف باص الزبداني عند وكالة سانا للأخبار .

ولقد حدثني سالم بنفسه فيما بعد كيف وجد مجموعة من المخابرات الذين تنكروا بثوب البداوة وكمنوا في المكان ينقضون عليه فور حضوره ، فيمسكه اثنان منهم من يديه خشية أن يكون مسلحاً ، ويجتمع البقية عليه يوسعونه ضرباً حتى فقد الوعي ، فلما صحى وجد نفسه بين أيديهم في فرع المخابرات لا حيلة له ولا حول .


مفاتيح التنظيم
لم يعترف سالم في البداية إلا أنه مجرد مراسل عادي . لكن العذاب الذي انصب عليه طوال يوم كامل فاق قدرته على الإحتمال . وكانوا عندما اعتقل قد وجدوا مفتاح البيت الذ يتخذه قاعدة خاصة به في جيبه . وسرعان ما طوقوا المكان وداهموا البيت قرب جامع المنصور بدمشق . وكان سالم يستضيف وقتها أخاً مجاهداً اسمه طريف جعمور ، انبرى وتصدى للمداهمة ، وحدثت مقاومة بطولية من الأخ طريف استمرت ثلاث ساعات ، ولم يتمكنوا منه إلا عندما صعدوا مئذنة الجامع وضربوه بقاذفات الآر. بي . جي . واستشهد الأخ . فلما تم لهم ذلك ودخلوا البيت وجدوا فيه بين أوراق سالم رسالة من الأستاذ عبد الله الطنطاوي من عمان يكلفه فيها أمانة مركز دمشق رسمياً ، فعرفوا وقتها من هو سالم بالظبط . وفي نفس المكان عثرت المخابرات على الهويات المزورة التي يستخدمها التنظيم الناشىء والختم الذي كان يختم به سالم فوق الصور ، فتأكدت لهم الفروقات التي سبق واكتشفوها في الهويات من قبل ، وصار كل شاب يستخدم هذا النوع من الهويات في حكم المكشوف ، وسرعان ما جرى اعتقال الكثير من أولئك في الكمائن داخل دمشق وبقية المحافظات أو على الحدود ، كان من ضمنهم عدد من الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة قبل عدة شهور . فإذا أضفنا إلى ذلك اعترافات سالم تحت التعذيب تأكد لنا أن اعتقال أبي الفرج كان ضربة قاسية للتنظيم ، وانكشافاً للمفاتيح الكثيرة التي كانت بيده رحمه الله


حياة الشهيد !
لكن الأمر الذي ضاعف المصاب وكبد الإخوة مزيداً من الخسائر كان حقيقة الأمر في قيام نشرة "النذير" الناطقة باسم تنظيم الإخوان بالمسارعة إلى نشر موضوع عن حياة الشهيد سالم الحامد ، ربما سعياً لاستثمار اسم الشيخ محمد الحامد في تحريك الناس ، أو لتحقيق مزيد من الإلتفاف حول مجموعات الإخوان وقياداتهم التي نزلت الميدان من قريب . ومضت "النذير" تتحدث عن أبي الفرج الذي قاوم السلطة ساعات عديدة في بيته بدمشق قبل أن يلقى ربه ، ورسمت له قصة بطولية لا أساس لها من الصحة ! وسادت هذه القناعة بين الإخوة في دمشق وباقي المحافظات ، وظن الناس أنهم في مأمن من اعترافات سالم . وعاد كل منا لمتابعة مهمته بلا أدنى قدر من حذر . وكذلك كان الحال معي ، وانتقلت صلتي من ثم إلى أخ آخر اسمه يحيى عبد الكريم الشامي ، وكان طالباً من مدينة حماة يدرس الصيدلة في جامعة دمشق .


الإعتقال
اعتقل سالم يوم 23/8/1980 وشاع نبأ مقتله واطمأن أفراد التنظيم وقيادتهم . لكنني وفي بدايات شهر 10/1980 وفي لقاء لي مع مسؤولي الجديد يحيى فاجأني بأن سالم لم يستشهد واقع الأمر وإنما اعتقل . فلما سألته عن مصدر هذه المعلومة غير المتوقعة قال لي إن عبد المعز شقيق سالم استدعي إلى فرع المخابرات بالعدوي وكان وقتها مجنداً بالخدمة الإلزامية وتم التحقيق معه ثم أفرج عنه . وأنه أحس خلال تلك الفترة بوجود أخاه سالم هناك على قيد الحياة ونقل له ذلك . ورغم أن يحيى طلب مني أن آخذ حذري واحتياطاتي إلا أنني لم أفعل ذلك ، وكأنني بعد أن تكرست في ذهني قصة الشهيد ورواية المقاومة التي نسجتها "النذير" لم أقتنع بما قال ، وأكملت مهمتي وحياتي بشكل عادي ونسيت الموضوع !

وفي يوم الخميس الموافق للثامن من الشهر نفسه ذهبت عند الظهيرة إلى كلية الهندسة لحضور إحدى المحاضرات كالمعتاد . ولم تفاجئني في البداية مظاهر الحراسة المشددة وانتشار المسلحين على الأبواب لأن هذا الإجراء بات اعتيادياً هناك منذ شهور . لكن ما أن توقفت وقدمت بطاقتي لمسؤول الأمن حتى التف حولي عدد من المسلحين قاطعين علي أي تفكير بالهرب . وخلال دقائق لم أتمكن فيها من التقاط أنفاسي كانوا قد غطوا عينيّ وأوثقوا يديّ ودفعوني إلى سيارة انطلقت بي كالزوبعة لتقذفني في مكان لا أعرفه ، تبين لي بعدها أنه فرع قيادة مخابرات منطقة العدوي الذي يرأسه العقيد نزارالحلو .

وجهاً لوجه !
استقبلتني من فوري اللكمات والركلات من كل جهة وأنا في طريقي إلى قبو المبنى . وهناك ومع الإجراءات نفسها فتشوني وأخذوا في غرفة الأمانات كل ما كان في جيوبي علاوة على الساعة والحزام ، ومنحوني رقم "13" ليكون اسمي الجديد من الآن فصاعداً .

ودفعوني وأنا لا أزال مطمش العينين مكلبش اليدين إلى مهجع جماعي استطعت أن ألمح فيه العديد من المساجين على مثل حالتي ، والسجان يجلد ظهورهم بكبل في يده . ولم تمض علي دقائق حتى جذبتني الأيدي وأصعدتني مع الركلات والصفعات الدَرَجَ ثانية وأوقفتني فجأة ونزعت الغطاء عن عيني ، لأجد سالم الحامد واقفاً أمامي وقد طالت لحيته وشعره لا ينبس بشفة . ومن غير مقدمات أتاه السؤال :

أهذا هو ؟

قال : نعم .

وفُتح الباب فدلف صالح الخوجة الطبيب الدمشقي الذي كان أحد من أوصلت لهم الرسائل مرة . فسألوه السؤال نفسه ، فأجاب بما أجاب سالم ، وغاب الرجلان عن عيني بعد ذاك




في الزنزانة
أسقط في يدي ، وأذهلتني المفاجأة بحق ، ومن غير أن يمسني أحد هذه المرة اقتادني عنصر إلى القبو كما أحضرني . وفي الزنزانة الموحشة حيث ألقاني هجمت علي التساؤلات والمخاوف والهواجس دفعة واحدة بلا رحمة : أمي وأبي .. أهلي .. ماذا يفعلون الآن ؟ كيف تراهم يتعذبون من أجلي ؟ يا للمساكين .. سيحاولون البحث عني والتوسط لي بلا شك .. ولن يجدوا إلا الفشل وخيبة الأمل ! لقد انتهيت هذه المرة .. والإعتراف الآن علي متحقق ودامغ . وماذا عن أولاء الذين لا يزالون على صلة معي في سورية ؟ هل تراهم انكشفوا ، أم أنني سأضطر لكشفهم بعد حين ؟ وماذا عن التعذيب الذي ينتظرني ؟ ماذا عن قصص الرعب التي سمعت الكثير عنها ورأيت ملامح بعضها في الأيام القليلة التي أوقفوني فيها المرة الماضية على الحدود ؟ هل انتهى كل شيء حقاً .. هل هي إلا مجرد أيام معدودة ثم تنتزع مني المعلومات وأنال المصير الذي ناله شهداء تدمر قبل أقل من عام !


لى التحقيق
مضى الوقت علي كالطوفان أغرقني وأرعبني ، ولم تلبث الزنزانة أن فتحت من جديد ونادى المنادي :

13 ولا .. هيا .

وساقتني الأيدي القاسية ثانية إلى الأعلى . وعلى باب غرفة التحقيق وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملابسي كلها ويقذف بي من ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين عارياً كيوم ولدتني أمي ! ولم يلبث الصوت نفسه أن أمرني بالجثو على الأرض وخفض الرأس ، وحذرني أن أحاول رفع هامتي لأي سبب .

منذ متى وأنت تعرف أبا الفرج ولا ؟

جاءني السؤال هكذا بلا أي مقدمات . أحسست أن شخصاً آخر يطل علي من وراء مكتب في مواجهتي هو الذي طرح السؤال .

من زمن .

قلتها وأنا لا أعرف بعد كيف أخاطب هؤلاء الناس أو أرد عليهم . فالجو المرعب منذ اللحظات الأولى يلغي لدى المرء القدرة على التركيز أو التمييز .

وماذا عن الدكتور صالح خوجة ؟

قلت : أعرفه كذلك من زمن .

كان الدكتور صالح على علاقة مع سالم بالفعل ، وحدث أن قمت بإحضار رسائل إليه من القيادة في الأردن إلى عيادته بحي ركن الدين ، فلما اعتقل سالم كان الدكتور صالح أحد الذين اعترف عليهم كما يبدو ، وكان قد أقر أنه يعرفني كما مر ، ولذلك فلم تعد هناك جدوى من الإنكار .

طيب محمد .. قل لنا الآن لماذا أنت تعرف هذين الشخصين ؟

كانت اللهجة إلى الآن هادئة ، والحديث يدور بشكل عادي في ظاهره ، لكن ذلك كان يزيد من شعوري بالقلق من الآتي وترقب المجهول .

قلت : كان هناك شخص طلب مني أن أوصل لهما رسائل ففعلت .

وما هي هذه الرسائل ؟

لا أعرف . هذا الشخص كان سائقاً على الخط بين عمان ودمشق ، وكان يعمل معي معروفاً فيأتي لي بأغراض من أهلى ، ويأخذ أغراضي إليهم بعض الأحيان . وكان بين هذه المرات يطلب مني أن أوصل رسائل أو نقوداً لهذين الشخصين فكنت أرد له الجميل وأفعل .

كان مازن يوم اعتقالي مسافراً في الأردن ولله الحمد ، وتأكد لي أنه لن يعود بعدها . وكنا واقع الأمر قد اتفقنا على سرد مثل هذه الرواية إذا وقعنا بأيدي المخابرات . ولذلك بدت لي إجابتي منطقية ومترابطة . لكن الرجل تابع يسأل :

ألم تكن تعلم بمحتويات الرسائل ؟

قلت : لا .

قال : في اليوم الفلاني أنت ذهبت إلى الدكتور صالح وأعطيته مغلفاً فيه مجلة النذير ورسائل أخرى من الأردن ، وقلت له أن يأتي على موعد مع الشيخ سعيد حوى إلى عمان . ألا تذكر ذلك ؟

صحيح . أنا أوصلت إليه مغلفاً يومها لكنه كان مغلقاً ، وهو موجود عندكم ويمكنك أن تسأله . وأما مجلة النذير هذه فلا أدري ما هي . وأما بالنسبة للموعد فمازن قال لي أن أخبر الدكتور صالح بأن جماعتك ينتظرونك في الأردن بالتاريخ الفلاني ففعلت ، ولم أكن أعرف أن في الأمر تنظيماً أو ممنوعات


حفل التعذيب
لم يشأ الرجل القابع وراء المكتب أن يسمع مني المزيد كما يبدو ، وأدرك كما فهمت لاحقاً أن الأمر لم ينضج بعد . ولم ألبث أن سمعته يقول للعنصر الذي أحضرني من غير أن يدعني أنهي كلامي :

خذه هال.... اعمل كذا وكذا باخته خليه يقر .

وسرعان ما انتزعني ذاك من مكاني وساقني في الممر الذي جئت منه إلى غرفة مجاورة ، وأنا لا أزال على حالتي عارياً مقيداً مغطى العينين . ووجدت أيدياً قاسية تتناولني من جديد فترفع القيد عن يدي من الخلف ، وتجذبهما للأمام وتعيد تقييدهما ، ثم تعود الأيدي التي تمتد من كل اتجاه فترفعني من وسطي عن الأرض ، وتتولى أيد أخرى جذب ساعديّ للأعلى . وفي لحظة واحدة أفلتني الجميع ، فوجدتني مشبوحاً كالذبيحة تماماً إلى السقف ، ورجلاي تخبطان في الهواء ليس تحتهما شيء .. وبدأت أولى حفلات التعذيب !

كنت أيامها في مقتبل الشباب ، وكانت عافيتي بحمد الله وافرة ، حتى أن أحدهم ناداني مع ابتداء التعذيب ساخراً يقول :

ولا .. هِنْت ( أي أنت ) بتلعب حديد ؟

لكن عملية الشبح وحدها كانت كافية لتمزق أعصابي وتتلف جَلَدي ، وتفقدني الوعي بعد عشر دقائق . غير أن الأمر ما كان كذلك وحسب ، فسرعان ما انطلقت تتناوشني مجموعة من الكبلات والعصي تجلدني كأسياخ النار ، تبعتها من حيث لا أدري لسعات الكهرباء تتخير أكثر مناطق الحساسية في الجسد فتصعقها بلا رحمة : في الأنف مرة ، ومرة في الشفتين .. في العورة .. في العينين .. في شحمة الأذن .. في كل مكان تتجمع فيه مراكز الإحساس ومواطن الشعور بالألم !

انفجرت بالصياح من شدة الألم المتفجر فكأنما ازداد الجلادون انتشاء بذلك ! وازدادت حدة اللسعات والصعقات من غير أن يسألني أحد أي شيء !

كنت أسمع وسط دوامة الألم صياحهم وهياجهم كالكلاب المسعورة حولي ، ومن غير أن أبصر شيئاً أحسست أنهم ربما كانوا قرابة العشرة ، ومع كل ضربة كانت تطرق أذني شتيمة جديدة وألفاظ كفر بالله تزلزل السماوات والأرضين . ولم ألبث أن وجدتني وقد فاق الألم قدرتي على الإحتمال وحتى على الصياح أغيب عن الوعي تماماً ، لأصحو لا أدري متى فأجدني في زنزانة منفردة ينهش الألم أطرافي وتشتعل الأوجاع نيراناً في كل ثنية من ثنيات بدني .



أرقام وحسب !
كانت الزنزانة أشبه ما تكون بقبر مقفل : الجدران متقاربة لا أستطيع أن أتمدد بينها ، والرهبة مطبقة ، وليس ثمة شيء تحتي إلا الإسمنت البارد ، والسقف شاهق فوقي تتوسطه شراقة للتهوية ( نافذة متشابكة القضبان ) يتسلل منها ضوء خافت يزيد المشهد كآبة ووحشة . وسرعان ما تدهم السكون صيحات استغاثة سجين آخر ينال العذاب في الطابق الأعلى ، وتخترق صرخاته الجدران الصم وأبواب الحديد ، فتنتفض من هولها كل ذرة في بدني وتستعر فيّ كل الجروح والكدمات .

ومضى الوقت بطيئاً ثقيل الوطء فكأنه الرحى تدور على جسدي المنهك ، لكنني سرعان ما فقدت معنى الزمن بعد هنيهة ، واختلطت علي معالم الليل والنهار . فلا ساعة معي تدلني على الوقت .. ولا صوت أحد أو همسة حي تنبي بما يجري .. والضوء الخافت لا يتغير ولا يتبدل . وعندما تذكرت الصلاة كانت وسيلتي الوحيدة لأدائها الإيماء . وعلى ذلك مضت السنون التالية علي ، لا أكاد أعرف الصلاة إلا بالإيماء وحسب !

وفتح الباب فجأة ، وتلقيت من غير مقدمات واحدة من أقذر المسبات قذفني السجان بها وهو يلقي إلي بنصف رغيف متيبس مرت عليه رائحة الحلاوة أو المربى في يوم من الأيام ! ولم ألبث أن اعتدت سماع مثل ما سمعت مع كل فتحة باب أو نداء للتحقيق أو خروج إلى الحمام . وكان خروجنا إلى الحمام مرة في اليوم يحددونها حسب أمزجتهم ، فيسوقون مجموعة من المساجين معصوبي العيون مكبلي الأيدي ، فإذا وقف واحدنا عند باب الحمام بعد أن مر على سيل من اللطمات واللكمات واللسعات فكوا يديه المكبلتين من الخلف ونقلوهما لتقيدا معاً من الأمام ! فلا يكاد يلج الحمام حتى تهوي الكبلات على الباب وتصله الشتائم والأوامر بالإسراع وبالإنتهاء . وفي كل تقلبات هذه الأحوال نظل مجرد أرقام تنادى ، لا شخصية لنا ولا أسماء . ليتكرس إحساسنا بالهوان ، ونزداد اضطراباً وضياعاً .


معجزة !
كانت حفلة التعذيب كما تقرر لي مرتين في اليوم . أخرج إلى غرفة التعذيب مكبلاً مغمض العينين .. أجرد من ملابسي بالكامل وأعلّق مشبوحاً من يدي .. وتكر الأحداث بعد ذلك : تبدأ بالشبح أحياناً ، فتتسلط الكبلات والسياط في هذه الحالة أكثر ما تتسلط على الظهر والصدر والرأس ، وتعمل ملاقط الكهرباء عملها في الوقت نفسه . لكن أسوأ ما يصيب الضحية وهو في هذه الحالة أثر القيد الحديدي الذي يشد على الرسغ ويحتك مع العظم بلا رحمة أو توقف . حتى التهبت يداي وتورمتا من جراء انغراس الحديد القاسي في اللحم واحتكاكه المباشر بالعظم الذي انكشف وتعرى . وظلت آثار القيد كالوشم على رسغي إلى اليوم ! وطوال خمسة أشهر تالية بقيت لا أحس براحَتَي يدي البتة ولا أقدر أن أحمل بهما أي شيء وكأنهما أصيبتا بالتنميل أو الخَدَر المزمن . وحكى لي طبيب التقيته في تدمر لاحقاً أن الأوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير ، وأنها تحتاج إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد

بساط الريح

أما الحالة الأخرى من التعذيب فكانت على "بساط الريح" . وهو لوح من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسيور جلدية ، ثم يرفعون نصفه الأسفل الذي ارتصت عليه الساقان ولم تعودا تملكان أي فرصة للتحرك . وتبدأ الكبلات ذات النصال المعدنية تهوي على بطن الرجلين تنهشهما بلا شفقة ، وتترك مع كل لسعة لها أجزاء من نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة ، فإذا انتهى الضرب بقيت هذه النصال مع الدم المتجمد والجروح المفتوحة فتلتهب وتتعفن ، فيتضاعف الألم وتشتد الأوجاع والمعاناة . وأما الشتائم والكفر بالله فلم تكن تتوقف مع كل أنواع التعذيب . ولم أكن أنجو من هذه الحفلات الدامية إلا عندما يغمى علي ، لأستيقظ وأنا في الزنزانة عاري البدن ممزق الأوصال مبللاً أرتجف من شدة البرد . ولا أكاد ألتقط أنفاسي وألملم بقايا جَلَدي حتى يحين موعد التعذيب مرة أخرى ، وتعود الكَبْلات تنهش لحمي من جديد ، وتنقض ملاقط الحديد على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء .

ولأنهم كانوا يعرفون أن العورة لدينا أمر كبير فقد كانوا يتعمدون إهانتنا بالعبث بسوآتنا بطرف الكبل والعصي أثناء التعذيب ، أو الإطباق بملاقط الكهرباء على المحاشم وإطلاق صعقات الكهرباء فيها ، وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العذاب علي ، ويبدو أن ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود .



دموع التماسيح !
وفي مرة من المرات وبعد أن مضى علي في العذاب عدة أيام أخرجوني كالعادة وعروني وعلقوني ، فوجدتني من قبل أن يبدأ الضرب أحس وكأنني فقدت الهواء في رئتي وما عدت قادراً على جذب النَفَس . وكان يلازم في غرفة التعذيب تلك طبيب متخصص كما يبدو ، سرعان ما اقترب مني فجس نبضي وطلب منهم أن يُنزلوني ، ولم يلبث أن حقنني بإبرة جعلتني أفقد القدرة على النطق أو الحركة ، وأحس أنني أغادر هذا العالم وأموت بالفعل !

ووجدتني أغيب عن الوعي لأصحو بعد قليل فأراني في أحد أحد الأسرّة . عن طرفي من هنا حارس برشاشه الكلاشينكوف ، ومن هناك يتدلى أنبوب بلاستيكي يتصل بكمامة على أنفي أتنشق من خلالها الأوكسجين . وبعد ساعة أو ساعتين استعدت خلالهما أكثر وعيي وجدتهم يقودونني عبر ممرات المستشفى الذي نقلت إليه إلى سيارة كانت تنتظرني لتقلني إلى الفرع من جديد . وهناك أعادوني إلى الزنزانة من غير عذاب . وبعد خمس أو ست ساعات استعدت خلالها وعيي أخرجوني إلى غرفة التعذيب من جديد ، وعوضوني عن التعذيب الذي فاتني عذاباً مثله كاملاً غير منقوص !

وفي مرة أخرى مماثلة وبعد أن كاد التعذيب يقتلني بحق حضر الطبيب ثانية إلى زنزانتي فنظف لي جروحي المتقيحة ، وقدم لي كأس حليب لأستمر على قيد الحياة ، وأجدد قدرتي على تلقي المزيد من التعذيب .. ومضى !







رد مع اقتباس